بعد مفاوضات امتدت لأشهر، توصلت كوريا الجنوبية والولايات المتحدة أخيرًا إلى اتفاق تجاري شامل، يقضي بتنفيذ سول خطة استثمارية ضخمة تبلغ قيمتها 350 مليار دولار في السوق الأمريكية.
ووفقًا للتفاصيل التي أعلنها مكتب الرئاسة الكورية، ستُنفذ الاستثمارات على مرحلتين 200 مليار دولار نقدًا على مدى عدة سنوات بحد أقصى 20 مليار دولار سنويًا، و150 مليار دولار مخصصة لمشروعات تعاون في مجال بناء السفن تشمل الضمانات وتمويل السفن واستثمارات الشركات الكورية.
نزيف استثماري
وعلى الرغم مما يحمله الاتفاق من مزايا على صعيد تخفيف الضغوط الجمركية الأمريكية، فإن حجمه وطبيعته أثارا قلقًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية الكورية. وبحسب تقرير نشرته وكالة "يونهاب"، حذّر خبراء من أن ضخ هذا الكم الهائل من الأموال في السوق الأمريكية قد يؤدي إلى تراجع القدرة الاستثمارية داخل كوريا الجنوبية، ما يهدد بحدوث ما وصفوه بـ"تفريغ التصنيع المحلي" أي انتقال القدرات الصناعية إلى الخارج على حساب القاعدة الإنتاجية في الداخل.
وفي السياق، أوضح الأستاذ هوه جينج من جامعة سيجانج - الكورية الجنوبية ، أن هذا النوع من الاستثمارات لا يمكن اعتباره مكملًا للاستثمار المحلي كما هو الحال مع استثمارات كوريا في الصين، مشيرًا إلى أن الاستثمارات الأمريكية تنفذ في ظل بيئة جمركية مرتفعة وتهدف بالأساس إلى الوصول إلى السوق الأمريكية وليس تعزيز الإنتاج المحلي.
مواجهة الضغط المزدوج
وتشير بيانات وزارة الصناعة والتجارة والطاقة الكورية إلى أن إجمالي استثمارات الصناعات العشر الكبرى -وعلى رأسها أشباه الموصلات والسيارات والبطاريات وبناء السفن- بلغ العام الماضي 114 تريليون وون، أي ما يعادل 4% من الناتج المحلي الإجمالي الكوري.
ورغم التوقعات بارتفاع الاستثمارات هذا العام إلى 119 تريليون وون (أي ما يوازي 79 مليار دولار أمريكي)، يحذر الخبراء من أن الزيادة في الاستثمارات الخارجية قد تضعف هذا النمو وتضغط على سوق العمل، خصوصًا في المناطق الصناعية المعتمدة على المصانع الكبرى.
ويقول كيم كوانج سيوك، مدير قسم الأبحاث الاقتصادية في معهد البحوث الصناعية الكوري، إن تجارب سابقة -مثل تراجع قطاع بناء السفن- أثبتت أن انكماش الصناعات الكبرى يؤدي إلى تدهور سلاسل التوريد المحلية وتراجع النشاط الاقتصادي في المدن الصناعية مثل جزيرة جوجي وتونجيونج، مشيرًا إلى أن تكرار السيناريو نفسه قد يخلق "موجة ثانية من الصدمة الاقتصادية".
تحذير حكومي
وتشير تقديرات معهد كيونجنام الإقليمي إلى أن فرض الولايات المتحدة رسومًا جمركية بنسبة 15% على السلع الكورية قد يؤدي إلى تراجع صادرات إقليم كيونجسانج الجنوبي إلى أمريكا بمقدار 4.99 تريليون وون، خصوصًا في قطاعات السيارات والطيران والآلات العامة.
كما حذّر البنك المركزي الكوري في تقرير سابق من أن استمرار السياسات الحمائية الأمريكية سيؤدي إلى انكماش الإنتاج وتراجع الاستثمار الصناعي، خاصة في المناطق المعتمدة على التصدير مثل تشونجتشونج الجنوبية، متوقعًا انخفاض نمو الناتج الإقليمي بين 0.2 و0.7 نقطة مئوية.
ماذا قال الرأي العام؟
وأظهر استطلاع للرأي نشرته صحيفة "نيكي آسيا"، أن 80.1% من الكوريين يعتبرون مطلب واشنطن باستثمارات بقيمة 350 مليار دولار "غير عادل"، بينما رأى 12.4% فقط أنه مقبول.
وأمام هذا الواقع، دعا محللون إلى تنويع الاقتصاد الكوري وتقوية قطاع الخدمات والتكنولوجيا لتقليل الاعتماد على الصناعات الثقيلة.