شهدت العلاقات المصرية الأوروبية نقلة نوعية وتاريخية مع انعقاد القمة المشتركة في العاصمة البلجيكية بروكسل، التي تعتبر محطة انطلاق نحو شراكة إستراتيجية شاملة، إذ تعكس مخرجات هذه القمة، التي جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وقيادات الاتحاد الأوروبي، إرادة مشتركة لتعميق التعاون في مجالات متعددة تمتد من الطاقة والأمن إلى الاقتصاد والتنمية؛ لتؤسس بذلك مرحلة جديدة من التفاهم والعمل المشترك لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية.
شراكة إستراتيجية شاملة
شارك السيسي في القمة المصرية الأوروبية الأولى، التي عُقدت بمقر المجلس الأوروبي في بروكسل، مُترأسًا وفدًا رفيع المستوى ضم وزراء الخارجية، والتخطيط، والاستثمار والتجارة الخارجية، حسبما أفاد المتحدث باسم الرئاسة المصرية السفير محمد الشناوي.
وأكد الرئيس المصري أنَّ القمة تجسيد لالتزام مشترك بتعزيز "شراكة إستراتيجية وشاملة"، مُعربًا عن تطلعه لتعميق التعاون في مجالات محورية تشمل الاستثمار والطاقة والأمن والتعليم، والهجرة.
وشدد الرئيس المصري على أن بلاده تظل شريكًا موثوقًا وعمقًا إستراتيجيًا للاتحاد الأوروبي، وتمتلك الإمكانات لتكون شريكًا صناعيًا وتكنولوجيًا فاعلًا.
كما تناول السيسي في كلمته التحديات العابرة للحدود، مثل الهجرة غير الشرعية والإرهاب، وتدهور الأوضاع الإنسانية، مُؤكدًا التزام مصر بترسيخ السلام والاستقرار، واستشهد باستضافة بلاده لقمة "شرم الشيخ للسلام" وسعيها للوساطة في النزاعات الإقليمية.
وشهدت القم مناقشة موسعة شملت عددًا من القضايا الجيوسياسية، أبرزها تطورات قطاع غزة، والأزمات في السودان وليبيا وسوريا، والملف النووي الإيراني والحرب في أوكرانيا، إضافة إلى تعزيز الجوانب الاقتصادية والاستثمارية بين الجانبين ضمن محاور اتفاقية الشراكة الشاملة.
لماذا مصر مهمة لأوروبا؟
وفي إطار تركيز الاتحاد الأوروبي على مصر كشريك إستراتيجي رئيسي، أوضح الدكتور محمد الطماوي، خبير العلاقات الدولية، أنَّ اعتماد أوروبا على القاهرة يستند إلى أسباب جوهرية تتعلق بالمصالح والأمن الأوروبي المباشر.
وفي حديثه لـ"القاهرة الإخبارية"، أضاف "الطماوي" أنَّ الأمن القومي الأوروبي يأتي في مقدمة هذه الأسباب، إذ تدرك بروكسل أنَّ أمنها يبدأ من حدودها الجنوبية، وتنظر إلى مصر باعتبارها "خط الدفاع الأول" أمام تدفقات المهاجرين القادمين من القارة الإفريقية.
وإضافة إلى ذلك، أوضح "الطماوي"، أنَّ مصر تلعب دورًا حيويًا في تحقيق الاستقرار الإقليمي، فهي الدولة الأقدر على حفظ التوازن في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتمثل صوت العقل وقناة الاتصال الموثوقة في منطقة تتسم بالاضطراب.
وذكر "الطماوي" أنَّ مصر أصبحت محورًا مهمًا في مجال أمن الطاقة لأوروبا، مشيرًا إلى أنَّ الثقل السياسي والعسكري المصري يُمثل عنصر أمان لأوروبا، إذ يُسهم في منع تمدد الجماعات المتطرفة نحو الشمال الإفريقي وحوض البحر المتوسط.
توقيع الاتفاقيات
وتُوِّجت أعمال القمة المصرية الأوروبية الأولى في بروكسل بالتوقيع على العديد من الاتفاقيات المهمة، شملت مذكرة التفاهم الخاصة بحزمة الدعم المالي الأوروبي لمصر بقيمة 4 مليارات يورو، إضافة إلى مذكرة انضمام مصر لبرنامج "هورايزن أوروبا" للبحث والابتكار، واتفاق تمويلي لدعم تنفيذ الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية، وتمثل هذه التفاهمات إطارًا حيويًا لتعزيز التعاون متعدد الأبعاد ودفع التكامل الاقتصادي والصناعي بين الجانبين.
وشهدت القمة مشاركة نخبة من صنّاع القرار وكبار المسؤولين، إذ ضم أكثر من 300 من رؤساء وممثلي أكثر من 60 شركة أوروبية، إلى جانب 100 شركة مصرية و15 مؤسسة تمويل دولية.
وتأتي هذه المشاركة المكثفة لتؤكد المكانة المحورية لمصر "كجسر إستراتيجي يربط أوروبا بأسواق إفريقيا والشرق الأوسط"، معززة مسيرة النمو الشامل والمستدام.
وفي السياق ذاته، سلَّطت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية المصرية، الضوء على أبرز المحطات التي شهدتها العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي، التي دخلت مرحلة جديدة من التطور المستمر، منذ ترفيعها إلى مستوى الشراكة الإستراتيجية، مارس 2024.
ملف المهاجرين
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور أحمد الشحات، أستاذ العلوم السياسية، أنَّ الشراكة بين مصر وأوروبا تقوم على مبدأ المنفعة المتبادلة.
ولفت "الشحات" في حديثه لـ"القاهرة الإخبارية"، اليوم الخميس، إلى أنَّ مصر قدمت خدمة حيوية لأوروبا بتمكنها من إنهاء ظاهرة الهجرة غير الشرعية عبر سواحلها، إذ مثلت حائط صد أمام تدفق المهاجرين.
وبحسب أستاذ العلوم السياسية، فإنَّ الموقع الجيوستراتيجي المصري يُمثل عاملًا جاذبًا، إذ يؤهل القاهرة لتكون "منصة اقتصادية قوية" تنطلق منها الاستثمارات الأوروبية نحو آسيا وإفريقيا، ما يجعلها فعّالة للمخططات الأوروبية.
وأشار "الشحات" إلى أنَّ التأكيد الرئاسي بأن مصر تتحرك بصفتها "شريك حقيقي" يعكس حرص القاهرة على تنويع شراكاتها الإستراتيجية، وهو ما يمنحها مرونة كبيرة وفعّالية أعلى في التعامل مع الأزمات الدولية والإقليمية.