في أروقة مغلقة بالعاصمة بكين هذا الأسبوع، يجتمع كبار قادة الحزب الشيوعي في الصين لصياغة خطة وطنية تهدف إلى تعزيز قوة البلاد في عالم مضطرب. غير أن وراء هذه الجدران الصامتة، يخيّم سؤالان كبيران لا يجرؤ أحد على طرحهما علنًا وهما إلى متى سيبقى الرئيس شي جين بينج في الحكم؟.. ومّن سيخلفه عندما يرحل؟
ووفقًا لموقع "The Japan Times"، منذ توليه القيادة قبل ثلاثة عشر عامًا، أحكم "شي" قبضته على مفاصل السلطة في الصين إلى مستوى لم يشهده البلد منذ عهد الزعيم الراحل ماو تسي تونج. ومع أنه لم يبد أي نية للتنحي، إلا أن استمرار حكمه بلا أفق زمني واضح قد يزرع بذور اضطراب سياسي في المستقبل، خصوصًا أنه لم يعين خلفًا له، ولم يضع جدولًا زمنيًا للانتقال المنظم للسلطة.
مأزق الزعيم القوي
وبحسب الموقع الياباني، يرى خبراء أن "شي" ومع بلوغه 72 عامًا، سيضطر إلى البحث عن وريث سياسي من جيل أصغر كثيرًا، ما يتطلب اختبار الولاء والكفاءة في آن واحد.
ويؤكد المحللون أن الولاء المطلق لـ"شي" ولسياساته سيكون الشرط الأول لأي خليفة محتمل، خاصة بعد أن كرر الرئيس الصيني مرارًا أن انهيار الاتحاد السوفييتي بدأ عندما اختارت قيادته زعيمًا إصلاحيًا مثل جورباتشوف.
وقد تجلى هذا النهج في تطهير الجيش يوم الجمعة الماضي، حين أعلنت السلطات العسكرية طرد تسعة ضباط كبار بتهم تتعلق بالفساد وإساءة استخدام السلطة، في رسالة واضحة مفادها أن شي لا يتسامح مع أي مظهر من مظاهر العصيان أو الانفصال عن خطه السياسي.
اجتماعات مغلقة
وينعقد الاجتماع السنوي للجنة المركزية للحزب الشيوعي هذا الأسبوع في بكين، بمشاركة مئات المسؤولين. ومن المتوقع أن يصادق الاجتماع على الخطة الخمسية الجديدة للتنمية الوطنية، التي تضع في صلبها هدف تعزيز ريادة الصين العالمية في الابتكار التكنولوجي والصناعة المتقدمة، في مواجهة الضغوط الاقتصادية والعقوبات التي تفرضها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقال نواب بارزون في تقرير رسمي الشهر الماضي، إن "جوهر المنافسة بين القوى الكبرى هو الصراع على القوة الشاملة"، مشيرين إلى أن "ترقية القدرات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية الوطنية هي السبيل الوحيد لكسب المبادرة الاستراتيجية".
لكن خلف هذا الخطاب الواثق، يراقب الدبلوماسيون والمستثمرون عن كثب ما إذا كان "شي" سيستغل الاجتماع لتمهيد الطريق أمام جيل جديد من القادة. غير أن أغلب المحللين يتوقعون تأجيل أي تغييرات كبرى إلى ما بعد عام 2027، عندما يبدأ "شي" على الأرجح فترة ولاية رابعة، وربما يستمر في الحكم بعدها أيضًا.
استذكار التاريخ
يدرك "شي" جيدًا خطورة الصراع على الخلافة داخل الحزب الشيوعي. فقد أقصي والده، وهو مسؤول رفيع، في عهد ماو، كما شهد بنفسه الانقسامات التي هزت الحزب عام 1989 أثناء احتجاجات تيان آن من، عندما أطاح دنج شياو بينج بالأمين العام تشاو زيانج وعيّن خلفًا جديدًا.
ويرى خبراء في الشأن الصيني أن الرئيس الحالي – الذي يولي اهتمامًا خاصًا بدروس التاريخ الإمبراطوري الصيني وسقوط الاتحاد السوفييتي – يعلم أن قضية الخلافة قد تحدد مصير الحزب ذاته.
وقد تجاوز "شي" الأعراف السياسية التي أرساها سلفه هو جينتاو، بإلغاء الحد الأقصى لفترتي الرئاسة في عام 2018، ما يتيح له البقاء في السلطة إلى أجل غير مسمى على رأس الحزب والدولة والجيش.
أزمة الأجيال
ومع مرور الوقت، تتضاءل فرص ظهور خليفة يتمتع بالشباب والخبرة معًا. فمعظم أعضاء اللجنة الدائمة للمكتب السياسي – وهي أعلى هيئة حاكمة في الحزب – من الموالين القدامى لشي في الستينات من أعمارهم، أي أكبر من أن يُنظر إليهم كخلفاء محتملين بعد سنوات قليلة.
ويُرجّح أن يكون الخليفة المقبل من مواليد السبعينيات، ويشغل حاليًا منصبًا في إدارة إقليمية أو هيئة مركزية. لكن شي، وفق محللين، لا يثق كثيرًا في الجيل الجديد الذي لم يختبر الأزمات الكبرى بعد. وقد حذّر سابقًا من أن "الشقوق الصغيرة قد تتحول إلى انهيار ضخم في سدّ الدولة"، في إشارة إلى أخطاء القيادة غير المجرّبة.
مستقبل غامض
يتوقع المراقبون أن يبقى المشهد السياسي في الصين غامضًا ومفتوحًا على احتمالات الصراع الداخلي، إذ سيواصل شي اختبار القيادات الشابة واستبعاد من لا يرقى إلى معاييره، في حين ستتصاعد المنافسات الخفية داخل دائرته المقربة بحثًا عن النفوذ والبقاء.
ويقول البروفيسور فيكتور شي من جامعة كاليفورنيا إن "عملية الخلافة القادمة ستكون أكثر تشتتًا من أي وقت مضى، لأن شي لا يمكنه ببساطة اختيار خليفة واحد واضح. سيكون أمام الحزب مجموعة من المرشحين، ما قد يؤدي إلى صراعات داخلية منخفضة الحدة بينهم".