الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

الصين توسع نفوذها في سلاسل الإمداد العالمية بـ"الخطط الخمسية"

  • مشاركة :
post-title
الرئيس الصيني شي جين بينج في قاعة الشعب الكبرى ببكين

القاهرة الإخبارية - مازن إسلام

تستعد القيادة الصينية هذا الأسبوع لعقد واحد من أهم اجتماعاتها السياسية في بكين، حيث يجتمع أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني لتحديد الأهداف الاستراتيجية التي ستوجه ثاني أكبر اقتصاد في العالم خلال ما تبقى من هذا العقد.

ويُعرف هذا الاجتماع السنوي تقريبًا باسم "الدورة العامة"، وهي جلسة موسعة يضع فيها كبار قادة الحزب الشيوعي الصيني ملامح التوجهات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للسنوات الخمس المقبلة. ومن المتوقع أن تشكل مخرجات هذه الدورة الأساس لـ"الخطة الخمسية الخامسة عشرة" التي ستمتد بين عامي 2026 و2030، بحسب شبكة "بي بي سي" البريطانية.

من "الإصلاح والانفتاح" إلى "الابتكار الذاتي"

في أواخر سبعينيات القرن الماضي، دشّن الزعيم دنج شياو بينج مرحلة "الإصلاح والانفتاح"، التي أرست دعائم النهضة الاقتصادية الصينية. فقد أدركت القيادة حينها أن النموذج السوفييتي للتخطيط المركزي فشل في تحقيق الازدهار، وقررت إدخال آليات السوق الحر تدريجيًا ضمن الإطار الاشتراكي.

وبدأت أولى الخطط الخمسية الجديدة عام 1981، لتفتح الباب أمام المناطق الاقتصادية الخاصة وجذب الاستثمارات الأجنبية، ما غيّر ملامح الاقتصاد الصيني جذريًا، لكن هذا التحول لم يغير الصين فحسب، بل أعاد تشكيل الاقتصاد العالمي.

فمع مطلع القرن الحادي والعشرين، كانت ملايين الوظائف الصناعية في الغرب قد انتقلت إلى المصانع الصينية الساحلية، فيما أطلق الاقتصاديون على الظاهرة اسم "الصدمة الصينية"، التي ساهمت لاحقًا في صعود التيارات الشعبوية في أوروبا والولايات المتحدة.

بزوغ "الصناعات الاستراتيجية الناشئة"

بعد انضمامها إلى منظمة التجارة العالمية عام 2001، بدأت الصين التخطيط للمرحلة التالية وهي الانتقال من "مصنع العالم" إلى قوة صناعية تكنولوجية متقدمة.

ففي مطلع الألفية، حذّر المخططون الصينيون من الوقوع في "فخ الدخل المتوسط"، حين تتوقف الدول الصاعدة عن النمو بعد فقدان ميزتها في الأجور المنخفضة دون أن تطور ابتكاراتها الخاصة. لذلك، تبنت بكين في خطتها لعام 2011 مفهوم "الصناعات الاستراتيجية الناشئة"، مركّزة على التكنولوجيا الخضراء مثل السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية.

وبمرور الوقت، أصبحت الصين القوة العالمية الأولى في مجال الطاقة المتجددة وسلاسل توريد المعادن النادرة، وهي موارد أساسية لصناعة الرقائق الإلكترونية والذكاء الاصطناعي.

ووصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هذا النفوذ الاقتصادي بأنه محاولة من بكين لـ"احتجاز العالم رهينة"، في إشارة إلى هيمنتها شبه المطلقة على تلك المواد.

من "النمو السريع" إلى "التنمية عالية الجودة"

في العقد الأخير، تحوّل تركيز الصين من مجرد التوسع الكمي إلى "التنمية عالية الجودة"، وهو شعار أطلقه الرئيس شي جين بينج عام 2017 ليؤكد ضرورة بناء اقتصاد قائم على الابتكار والاستقلال التكنولوجي.

وتجلى ذلك في صعود شركات مثل هواوي وتيك توك ونماذج الذكاء الاصطناعي الصينية مثل DeepSeek، التي أصبحت رموزًا للقدرة التقنية الوطنية. لكن هذه الطفرة التكنولوجية واجهت مقاومة غربية متزايدة، مع تقييد صادرات الرقائق الأمريكية إلى الصين وفرض قيود على شركاتها الكبرى.

رد بكين جاء عبر صياغة شعار جديد في 2023 هو "قوى إنتاجية جديدة عالية الجودة"، يركّز على تحقيق الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحساسة، خاصة أشباه الموصلات والحوسبة والذكاء الاصطناعي، وتجنب أي تبعية للتكنولوجيا الغربية.

نحو عقد من "الاكتفاء الاستراتيجي"

تُجمع التحليلات على أن الخطة الخمسية المقبلة (2026–2030) ستكون الأكثر طموحًا منذ عقود، إذ تهدف بكين إلى تثبيت مكانتها كقوة تكنولوجية مستقلة قادرة على مقاومة العقوبات، وتوسيع نفوذها في سلاسل الإمداد العالمية من خلال "اقتصاد الأمن القومي".

ويبدو أن الصين تستعد لمرحلة جديدة من التحوّل الهيكلي، لا تكتفي فيها بالنمو، بل تسعى لقيادة الابتكار العالمي، في وقت يزداد فيه التوتر مع الغرب حول التكنولوجيا والمنافسة الاقتصادية.

تقدم مطرد في مجال الابتكار

وتقول وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" إنه على مدى السنوات الخمس المقبلة، ستُولي الصين اهتمامًا استراتيجيًا أكبر لتنمية قوى إنتاجية جديدة عالية الجودة لدفع عجلة النمو الاقتصادي.

وسيُدعم هذا الهدف بتخطيط شامل رفيع المستوى، إلى جانب تدابير مؤسسية وسياسية أقوى، مضيفة أن بكين تهدف إلى تكثيف الابتكار العلمي والتكنولوجي وتحقيق إنجازات في التقنيات الأساسية في المجالات الحيوية.

وفي الوقت نفسه، ستُركز الجهود الموازية على تطوير الصناعات التقليدية، ورعاية القطاعات الناشئة، وتمهيد الطريق لصناعات المستقبل.

وترى "شينخوا" أنه بفضل الاستثمارات الضخمة، وقاعدة الكفاءات القوية، والسياسات الداعمة، تواصل الصين تحقيق تقدم مطرد في مجال الابتكار. في السنوات الأخيرة، طورت البلاد رقائق عالية الأداء، وأنظمة تشغيل متطورة، ونماذج ذكاء اصطناعي ضخمة.

كما حققت تقدمًا ملحوظًا في مجالات مثل تكنولوجيا الكم، ورحلات الفضاء المأهولة، واستكشاف الفضاء العميق.

وأكدت أن الصين باعتبارها قائدا عالميا في مجال التكنولوجيا الخضراء، ستواصل المضي قدما في التحول الأخضر المحلي مع المساهمة في العمل المناخي العالمي من خلال منتجاتها الفعالة من حيث التكلفة وخبرتها التكنولوجية.

الغرب غرق في مستنقع فشل الحوكمة

فيما، ترى صحيفة "جلوبال تايمز" الصينية، أن الدول الغربية غرقت في مستنقع فشل الحوكمة، إذ أدى الاستقطاب الناجم عن التنافس متعدد الأحزاب إلى تفشي سياسة النقض (الفيتو)، حيث أدى "المعارضة لمجرد المعارضة" إلى تأخير صياغة وتنفيذ القوانين والسياسات، مما جعل مناقشة المصالح الأساسية وطويلة الأجل أمرًا مستحيلًا.

وأشارت إلى أنه في ظل مناخ من القلق والارتباك، يوجه المجتمع الدولي اهتمامه بشكل طبيعي إلى الدول التي تتمتع بالاستقرار والاستمرارية والقدرة على التنبؤ، أملًا في إيجاد الحكمة والحلول لمواجهة التحديات المشتركة.

وقالت الصحيفة: "بصفتها قوة عظمى يزيد عدد سكانها عن 1.4 مليار نسمة، وأكبر مساهم في النمو الاقتصادي العالمي لعشر سنوات متتالية، من المتوقع أن تجذب الصين اهتمامًا عالميًا مع انعقاد الدورة الكاملة الرابعة للجنة المركزية العشرين للحزب الشيوعي الصيني، حيث ستضع الترتيبات وتخطط للتنمية المستقبلية. ولهذا الأمر تداعيات عالمية فريدة وهامة".