في الوقت الذي تنفذ فيه شرطة لندن عشرات المداهمات لمحال الهواتف المحمولة في أنحاء العاصمة البريطانية، كجزءٍ من جهدٍ متأخرٍ لمعالجة مشكلة سرقة الهواتف التي عانت منها المدينة في السنوات الأخيرة، بدا أن نطاق الجريمة تجاوز حدود النشل المألوف في لندن، حتى قبل أن تُعرف برواية "أوليفر تويست" الشهيرة لتشارلز ديكنز.
ففي لندن، أصبح اللصوص، الذين يزدادون جرأةً، وغالبًا ما يرتدون أقنعةً ويركبون دراجاتٍ كهربائية، بارعين في سرقة الهواتف من السكان والسياح. ووفقًا للشرطة، سُرق 80 ألف هاتف في المدينة العام الماضي، مما أكسب العاصمة البريطانية سمعةً سيئةً.
ووفق تقريرٍ لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، كانت مداهمات الشهر الماضي تهدف إلى كشف عصابةٍ من الوسطاء، تقول الشرطة إنهم يستخدمون متاجر الهواتف المستعملة كجزءٍ من شبكةٍ إجراميةٍ عالميةٍ متعددةِ الأوجه.
وبنهاية العملية التي استمرت أسبوعين، عثر المحققون على نحو 2000 هاتفٍ مسروقٍ و200 ألف جنيهٍ إسترليني (266 ألف دولار) نقدًا.
دراجات وأقنعة
انخفض معدل الجريمة في لندن بشكلٍ عامٍ في السنوات الأخيرة، إلا أن سرقة الهواتف لا تزال مرتفعةً بشكلٍ غير متناسب، حيث تُمثل حوالي 70% من السرقات في العام الماضي.
وقد شهدت سرقات الهواتف ارتفاعًا حادًا، إذ صرّحت الشرطة للجنةٍ برلمانيةٍ في يونيو بأن 80 ألف سرقة هواتف في العام الماضي تُمثل زيادةً حادةً عن 64 ألف سرقةٍ في عام 2023.
وتنقل "نيويورك تايمز" عن أحد الضباط أن ذلك جزئيًا يعود إلى أن هذه الجريمة "مربحةٌ للغاية" و"أقل خطورةً" من سرقة السيارات أو تجارة المخدرات.
ويمكن أن يجني لصوص الهواتف ما يصل إلى 300 جنيهٍ إسترليني (حوالي 400 دولارٍ أمريكي) عن كل جهاز، أي أكثر من ثلاثة أضعاف الحد الأدنى الوطني للأجور ليومِ عملٍ واحد، وفي الوقت نفسه، احتماليةُ القبضِ عليهم ضئيلةٌ.
تُظهر بيانات الشرطة أنه تم الإبلاغ عن سرقة حوالي 106,000 هاتفٍ في لندن بين مارس 2024 وفبراير 2025، ولم يُوجَّه اتهامٌ أو تحذيرٌ من الشرطة إلا إلى 495 شخصًا، أي أنهم اعترفوا بارتكاب الجريمة.
بالطبع، تواجه العديد من المدن الكبرى الأخرى، بما فيها نيويورك، مشكلةَ سرقة الهواتف، وتجادل شرطة لندن بأن اختلاف أساليب تسجيل الجرائم يجعل من المستحيل تحديد مكان تفاقم المشكلة في العالم.
ويُلقي العديد من الخبراء باللوم على تأثير سنوات التقشف التي فرضتها الحكومات بقيادة حزب المحافظين في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، والتي أدت إلى خفض عدد ضباط الشرطة وميزانياتهم. ففي عام 2017، أعلنت شرطة العاصمة أنها ستتوقف عن التحقيق في الجرائم البسيطة التي رأت أن احتمالات القبض على الجناة ضئيلة، حتى تتمكن من إعطاء الأولوية لمعالجة جرائم العنف الخطيرة والجرائم الجنسية.
ثم ظهر تطورٌ تكنولوجيٌّ سهّل عملهم أكثر: الدراجاتُ الإلكترونية، التي يُمكن استئجارها وتوصيلها إلى أي مكان، في لندن عام 2018، والتي اكتسبت شعبيةً هائلةً. وسرعان ما أصبحت هذه الدراجات وسيلةَ الهروبِ المفضلةَ لدى سارقي الهواتف.
رقائق الألومنيوم
أثارت سرقة الهواتف غضبًا بالغًا بين الضحايا في العاصمة البريطانية، الذين ظلوا لسنواتٍ يُبلّغون عن سرقة هواتفهم المحمولة ويسلّمون الشرطة المواقع التي تُرسل إليها، ليحصلوا على رقمٍ مرجعيٍّ للجريمة دون أيّ ردِّ فعل.
ولسنواتٍ، افترضت شرطة لندن أن معظم سرقات الهواتف من تدبير لصوصٍ صغارٍ يسعون إلى جني أموالٍ سريعةٍ، لكن في ديسمبر الماضي حصلت على دليلٍ مثيرٍ للاهتمام من امرأةٍ استخدمت تطبيق "العثور على هاتفي" لتتبع جهازها إلى مستودعٍ قرب مطار هيثرو.
عند وصولهم إلى هناك عشية عيد الميلاد، عثر الضباط على صناديقَ متجهةٍ إلى هونج كونج. كانت الأوراق تشير إلى أنها بطاريات، لكنها احتوت على ما يقرب من ألف هاتف "آيفون" مسروق.
ونقلت الصحيفة عن مارك جافين، الذي يقود التحقيق في شرطة العاصمة، قوله: "سرعان ما اتضح أن هذه ليست مجرد جريمةِ شوارعٍ عاديةٍ، بل كانت جريمةً واسعةَ النطاق".
الآن تستخدم الشرطة معلوماتِ تحديدِ أماكنِ الهواتف المسروقة من قِبل لصوصِ الشوارع. بعد عمليةِ ضبطِ الهواتف في مطار هيثرو، كُلِّف فريقٌ من المحققين المتخصصين في قضايا تهريب الأسلحة النارية والمخدرات بالتحقيق في القضية، وحدّدوا شحناتٍ أخرى، واستخدموا الأدلةَ الجنائية لتحديد هوية رجلين في الثلاثينيات من عمرهما يُشتبه في كونهما زعيمي عصابةٍ أرسلت ما يصل إلى 40 ألف هاتفٍ مسروقٍ إلى الصين.
ووفقًا للتقرير، فإن مُصدّري الهواتف المسروقة يتصدّرون شبكةً إجراميةً من ثلاث طبقاتٍ؛ في الوسط يقع أصحابُ المتاجر وروادُ الأعمال الذين يشترون الهواتف المسروقة من اللصوص ويبيعونها لأفرادٍ غافلين أو يمرّرونها لنقلها إلى الخارج. أما في أدنى الطبقات، فيقع اللصوص، وقد ازداد عددهم تماشيًا مع الأرباح الطائلة المعروضة، والشعورِ المتزايدِ بالإفلات من العقاب.