حقق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وعوده الانتقامية، إذ نجح في توجيه لائحة اتهام ضد مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي السابق جيمس كومي، متحديًا بذلك تقاليد راسخة لاستقلالية وزارة العدل الأمريكية منذ عقود.
وبحسب صحيفة "واشنطن بوست"، تعد هذه الخطوة أكثر أشكال الانتقام السياسي وقاحة منذ عودة ترامب للبيت الأبيض، إذ احتفل علنًا بصدور لائحة الاتهام، وعلق عبر وسائل التواصل الاجتماعي: "العدالة في أمريكا".
كسر الحواجز التقليدية للعدالة
خرق ترامب كل الأعراف المتبعة في النظام القضائي الأمريكي من خلال تدخله المباشر والعلني في قضية كومي، إذ أقال المدعي العام في المنطقة الشرقية لفيرجينيا عندما رفض توجيه اتهامات له، واستبدله بمساعد من البيت الأبيض لا يملك أي خبرة في الادعاء.
كما طالب علنًا وزيرة العدل بام بوندي باتخاذ إجراءات قانونية ضد كومي، ووصفه بأنه "مدمر للحياة" و"شرطي قذر".
يؤكد تيموثي نافتالي، المؤرخ في جامعة كولومبيا والمدير السابق لمكتبة نيكسون الرئاسية، أن هذا السلوك يختلف حتى عن ريتشارد نيكسون الذي "فهم كمحامٍ جيد أنه يجب عليه على الأقل جعل العدالة تبدو عمياء عندما يتآمر ضد أعدائه، بينما الرئيس ترامب لا يتظاهر بذلك ويعتقد أن العدالة لم تكن عمياء أبدًا".
إستراتيجية الانتقام الممنهجة
بعد ثمانية أشهر من فترته الرئاسية الثانية، نجح ترامب في تنفيذ خطة انتقامية شاملة تجاوزت قضية كومي، إذ ألغى التصاريح الأمنية وحماية الخدمة السرية للأشخاص الذين يعارضونه، وأصدر أوامر تنفيذية لمعاقبة شركات المحاماة التي تعارضه، وأقال المحامين الذين عملوا في قضايا ضده وضد مؤيديه، بينما أطلق سراح مؤيديه بالعفو الرئاسي.
وتكشف وثائق "واشنطن بوست" أن وزارة العدل تحقق حاليًا مع خصمين بارزين آخرين هما النائبة العامة لنيويورك ليتيشيا جيمس التي حصلت على حكم احتيال مدني ضده العام الماضي، والسيناتور آدم شيف الذي قاد محاكمة العزل الأولى ضده، وذلك بتهم تتعلق بالاحتيال في الرهن العقاري، علمًا أن جميع المتهمين ينفون التهم الموجهة إليهم.
إعادة تشكيل جهاز العدالة
تعمل "بوندي" على إعادة تشكيل وزارة العدل جذريًا من خلال إقالة أو نقل المحامين المهنيين إلى وظائف جديدة، ما دفع الكثيرين للاستقالة أو التقاعد المبكر أو قبول حوافز ترك الخدمة والرحيل عن مؤسسة تغيرت معالمها بالكامل، واستُبدلوا بمحامين غير متشربين لثقافة مؤسسية تضع الاستقلالية فوق الولاء للرئيس.
تشير كيم لين شيبيلي، أستاذة علم الاجتماع والشؤون الدولية في جامعة برينستون، إلى أن ترامب "يطرد المدعين المهنيين الذين يؤمنون بالمعايير ويجلب أشخاصًا لا يملكون أي خبرة، فالطريقة للتخلص من الثقافة هي التخلص من الناس".
عواقب خطيرة
يحذر برندان نيهان، أستاذ الحكومة في كلية دارتموث، من أن "المدعين الآخرين سيشعرون بضغط أكبر الآن لتوجيه اتهامات ضد أي شخص يغضب الرئيس، ولا تريد أن تعيش في بلد حيث إغضاب الرئيس يمكن أن يضعك في السجن".
ويؤكد أن كومي سيواجه مصاعب حتى لو تغلب على التهم في النهاية لأنه سيضطر لتوظيف محامين وتحمل ضغط معرفة أنه قد يدخل السجن إذا أدين، مشيرًا إلى أن "التهم ضد كومي ستخيف وتسكت أشخاصًا أكثر بكثير من كومي نفسه".
ويبرر ترامب وحلفاؤه هذه الإجراءات كعقاب مستحق لمجموعة من عناصر الدولة العميقة والمطلعين المدفوعين سياسيًا الذين زعم أنهم استخدموا سلطتهم للتحقيق معه ومحاكمته هو ومؤيديه أثناء وبعد فترته الأولى، ويقول ترامب "الأمر يتعلق بالعدالة حقًا، وليس الانتقام"، رغم تصريحه السابق أنه "انتقامكم" في مؤتمر العمل السياسي المحافظ عام 2023.