تعمل المفوضية الأوروبية على إعداد خطة لتحويل ما يقرب من 200 مليار يورو من الأصول الروسية المجمَّدة لإعادة بناء أوكرانيا في نهاية الحرب، وفق ما أفادت صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية.
ونقلت الصحيفة عن مسؤولين عدة أن بروكسل تختبر شهية العواصم الوطنية لنقل الأصول إلى استثمارات أكثر خطورة يمكن أن تولِّد المزيد من الأرباح لأوكرانيا، وتزيد الضغوط على روسيا في ظل رفضها وقف القتال.
ويرى المؤيدون أيضًا أن هذه الخطة بمثابة خطوة نحو الاستيلاء المحتمل على الأصول وتسليمها إلى أوكرانيا كعقوبة على رفض روسيا دفع التعويضات بعد الحرب.
قالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، أمس الخميس، في أقوى تصريحات لها حتى الآن بشأن هذا الموضوع: "نحن نواصل العمل على الأصول الروسية المجمَّدة للمساهمة في الدفاع عن أوكرانيا وإعادة إعمارها".
والأمر الحاسم هو أن هذا الخيار لن يؤدي إلى مصادرة الأصول على الفور، وهو ما تعارضه أغلبية دول الاتحاد الأوروبي بسبب المخاوف المالية والقانونية.
وستصل المحادثات إلى ذروتها، غدًا السبت، عندما يناقش وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي هذا الخيار للمرة الأولى خلال اجتماع غير رسمي في كوبنهاجن بالدنمارك.
وخلال المناقشة، ينبغي للوزراء النظر في "خيارات أخرى لاستخدام الإيرادات الناتجة عن الأصول السيادية الروسية المجمَّدة"، وفقًا لمذكرة تحضيرية اطَّلعت عليها "بوليتيكو".
مع مواجهة أوكرانيا عجزًا في الميزانية يُقدَّر بنحو 8 مليارات يورو في عام 2026، تبحث دول الاتحاد الأوروبي عن أفكار جديدة لمواصلة تمويل الدولة التي مزَّقتها الحرب في ظل ميزانيات محلية مضغوطة وعدم وجود مجال لإصدار ديون على مستوى الاتحاد الأوروبي.
ورغم أزمتها الاقتصادية، تواجه أوروبا ضغوطًا متزايدة لتعزيز جهودها في مواجهة انسحاب الولايات المتحدة من أوكرانيا، والمحاولات المتعثرة من جانب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق سلام.
قالت كيرلي فيسكي، وكيلة وزارة الخارجية الإستونية للشؤون القانونية والقنصلية: "نسمع أن جمع الأموال من المالية الوطنية أو ميزانية الاتحاد الأوروبي أصبح أكثر صعوبة. لكن لدينا هذه الأصول هناك، والسؤال المنطقي هو: كيف يمكننا استخدامها ولماذا لا نستخدمها؟".
لطالما ضغطت دول البلطيق المجاورة لروسيا، بالإضافة إلى دول أخرى، على الاتحاد الأوروبي لمصادرة هذه الأصول بالكامل.
وداخل المفوضية، قدَّم كلٌّ من مفوض الاقتصاد اللاتفي فالديس دومبروفسكيس، ومسؤولة السياسة الخارجية الإستونية كايا كالاس، هذه الفكرة.
هذا الخيار لا يزال يواجه مقاومة من دول أوروبا الغربية، بما فيها ألمانيا وإيطاليا وبلجيكا، إذ تُعَد الأخيرة معرَّضة بشكل خاص للمخاطر القانونية والمالية لاستضافتها "يوروكلير"، المؤسسة المالية التي تحتفظ بمعظم الأصول الروسية.
وكحل وسط، وافقت دول مجموعة السبع في عام 2024 على تحويل إجمالي قدره 45 مليار يورو من الأرباح الناتجة عن استثمار الأصول إلى أوكرانيا، مع ترك الأصول الأساسية دون مساس.
ومع ذلك، فإن حصة الاتحاد الأوروبي البالغة 18 مليار يورو من القرض سوف تُسدَّد بالكامل بحلول نهاية العام، وهو ما دفع إلى دعوات لتوليد إيرادات إضافية في غضون فترة زمنية قصيرة.
كحل مؤقت، يبحث محامو المفوضية في نقل الأصول إلى "مركبة ذات غرض خاص" مدعومة من قبل عدد من دول الاتحاد الأوروبي وربما دول أجنبية.
وقارن المسؤولون عن الصندوق الجديد المقترَح بآلية الاستقرار الأوروبية، وهي عبارة عن "صندوق مالي" لإنقاذ البلدان يدعمه فقط أعضاء منطقة اليورو، وتم إنشاؤه خارج معاهدات الاتحاد الأوروبي.
وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي إن الصندوق المحتمل لأوكرانيا سيكون مفتوحًا أيضًا أمام دول مجموعة السبع، بما في ذلك المملكة المتحدة وكندا، التي تؤيد مصادرة الأصول، على الرغم من أن التفاصيل لا تزال قيد الصياغة.
وبشكل عام، فإن هذا الهيكل الجديد من شأنه أن يمنح الاتحاد الأوروبي سيطرة أكبر على تسليم الأصول إلى أوكرانيا عندما يحين الوقت المناسب.
بموجب القواعد الحالية، يمكن لدولة واحدة إعادة الأصول فعليا إلى موسكو من خلال استخدام حق النقض (الفيتو) ضد تجديد العقوبات، الذي يُطرح للتصويت كل ستة أشهر.
ويُنظر إلى حكومة المجر، المؤيدة لروسيا وترامب، على أنها الأكثر ترجيحا لاتخاذ هذا المسار، أما تحويل الأموال إلى هيئة جديدة لا تتطلب أي إجماع فقد يؤدي إلى تجنُّب التهديد الذي تشكِّله المجر.
كما أن نقل الأصول إلى صندوق جديد من شأنه أن يسمح أيضا بوضعها في استثمارات أكثر خطورة قادرة على توليد عوائد أعلى لأوكرانيا.
ومن شأن ذلك أن يشكِّل تغييرا في القواعد الحالية التي تُلزِم "يوروكلير" باستثمار الأصول لدى البنك المركزي البلجيكي، الذي يقدِّم أدنى معدل عائد خالٍ من المخاطر، لكن المشكِّكين، ومن بينهم فاليري أوربان، الرئيسة التنفيذية لـ"يوروكلير"، يخشون أن يتحمَّل دافعو الضرائب في الاتحاد الأوروبي العبء الأكبر من أي خسائر ناجمة عن العمليات الأكثر خطورة.
ولتقاسم العبء القانوني والمالي، تريد بلجيكا من دول أخرى في الاتحاد الأوروبي أن تتحمَّل المسؤولية عن الأصول بموجب الخطة التي اقترحتها المفوضية.
وقال فيسكي: "بلجيكا ليست وحدها في هذا الوضع. علينا أن ندعم ونساهم في التخفيف من هذا الخطر". وأضاف: "إن الأمر لا يتعلق بالسماح لبلجيكا بالتعامل مع الأمر، بينما نشاهد نحن من على الهامش".
وقال مسؤول في الاتحاد الأوروبي ودبلوماسي كبير غير بلجيكي إن الحكومة البلجيكية أبدت مؤخرا ترحيبها بخطة المفوضية، في حين تدعم دول أبعد عن روسيا، مثل إسبانيا، الفكرة أيضا.