في قلب مشهد جديد بين واشنطن وموسكو، تتكشف خيوط لعبة يقودها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لا تعتمد على الحسم السريع بقدر ما تراهن على كسب الوقت واستنزاف الخصوم.
وحسب مجلة "فورِن أفيرز" الأمريكية، فإن القمة الأخيرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبوتين في ألاسكا، وما تلاها من تحركات روسية دقيقة، تندرج تحت استراتيجية صُمِّمت لتأجيل الهزيمة، وربما التمهيد لانتصار بعيد المنال.
قمة لم تُسفر عن كارثة
في الأسابيع التي سبقت قمة ألاسكا، انتشرت المخاوف من أن تكون لحظة حاسمة شبيهة بـ"يالطا جديدة" أو "ميونيخ أخرى"، حيث قد يساوم ترامب على مصالح أوكرانيا مقابل تفاهمات مع موسكو. وحسب المجلة الأمريكية، فإن القمة لم تنتهِ بكارثة فورية، إذ لم يمنح ترامب بوتين اتفاقًا على حساب كييف، ولم يوافق على تطبيع العلاقات مع روسيا قبل إيجاد تسوية للحرب.
وحظي الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بدعم جديد حين استُقبِل في البيت الأبيض مع عدد من القادة الأوروبيين في 18 أغسطس، ما اعتبره الرئيس الفنلندي ألكسندر ستاب يومًا ناجحًا للتضامن الغربي مع أوكرانيا.
وأدرك بوتين أن خطته الأولى، القائمة على فرض اتفاق سريع على كييف عبر دعم ترامب، لن تتحقق بالسهولة المرجوّة، فانتقل إلى خطة بديلة تقوم على إطالة أمد الصراع بانتظار لحظة فقدان الولايات المتحدة حماستها وتراجعها عن تقديم الدعم العسكري والمالي.
ووفق "فورِن أفيرز"، فإن هذه الخطة لا تزال بالنسبة لموسكو بمثابة نصر محتمل، إذ إنها تحقق ثلاثة أهداف رئيسية، وهي: إبقاء واشنطن مشغولة بالملف الروسي، وتجنّب جولة جديدة من العقوبات الاقتصادية القاسية، والحفاظ على استمرار القتال لاستنزاف كييف وحلفائها.
رهانات موسكو
يرى الكرملين أن الوقت يعمل لصالحه، فروسيا ما زالت تحتفظ بتفوق عددي كبير في القوات والمعدات، ورغم الخسائر المتزايدة، تواصل استنزاف خطوط الدفاع الأوكرانية في دونباس.
كما أنها قلّصت الفجوة التكنولوجية مع كييف في مجال الطائرات المسيّرة، ما أفقد أوكرانيا تفوقها السابق. ورغم الضغوط الاقتصادية، لا يظهر أن موسكو تريد وقف إطلاق النار في الوقت الحالي، إلا إذا حصلت على تنازلات سياسية جوهرية.
ومنذ بداية الولاية الثانية لترامب، حاولت موسكو استغلال حماسة البيت الأبيض لإعادة صياغة العلاقة الثنائية، إذ عيَّن ترامب صديقه ستيف ويتكوف مبعوثًا خاصًّا للمفاوضات مع روسيا، حيث زار موسكو مرارًا وأجرى محادثات طويلة مع بوتين، كما كثّف الرئيسان اتصالاتهما الهاتفية، ما جعل نقاط بوتين التفاوضية تجد صدى في البيت الأبيض، وأدّى ذلك إلى توتر ملحوظ في علاقة ترامب بزيلينسكي.
غير أن موسكو فشلت في تحقيق اختراق شامل، إذ تمكنت كييف من إعادة بناء ثقتها مع واشنطن عبر اتفاقيات اقتصادية وعسكرية عززت التعاون، وحافظت على تدفّق المساعدات الأمريكية، بما في ذلك المعلومات الاستخباراتية والأسلحة.
سلاح ترامب
لم يتردد ترامب في التهديد بتصعيد الضغوط الاقتصادية، ففي يوليو لوّح بفرض رسوم جمركية "باهظة" على روسيا إذا لم توافق على وقف إطلاق النار. ورغم أن التجارة المباشرة بين واشنطن وموسكو محدودة، فإن فرض رسوم على الهند التي تشتري النفط الروسي كان بمثابة ضربة غير مباشرة أربكت حسابات الكرملين وخفّضت من أرباحه النفطية.
انعكس ذلك على الاقتصاد الروسي بشكل واضح، فتقلّصت الحوافز المقدَّمة للمجندين بسبب ضغوط مالية، وارتفع عجز الموازنة إلى 2.2% من الناتج المحلي الإجمالي في الأشهر السبعة الأولى من العام، بعد أن كان متوقّعًا عند 0.5% فقط.
مكاسب بوتين المخفية
رغم أن قمة ألاسكا لم تُثمر عن اتفاق شامل، إلا أنها سمحت لبوتين بتحقيق هدف مهم بإقناع ترامب بالتركيز على "حل شامل" بدلًا من وقف إطلاق نار عاجل، وهذا الموقف أتاح لموسكو مواصلة القتال دون مواجهة عقوبات أمريكية جديدة مباشرة.
ونجح بوتين عبر مفاوضات استعراضية في إقناع الإدارة الأمريكية بأنه مستعد لتقديم تنازلات، رغم أن هذه التنازلات لم تكن إلا إعادة صياغة لمطالب قديمة، أبرزها مطالبة كييف بالتخلي عن دونيتسك ولوغانسك مقابل قبول خط التماس الحالي في خيرسون وزابوريجيا. تنازلات ظاهرية من جانب موسكو، لكنها في الواقع تفرض على أوكرانيا خسائر إقليمية هائلة.
مأزق الضمانات الأمنية
إحدى النقاط الساخنة في المفاوضات كانت الضمانات الأمنية لأوكرانيا بعد الحرب، ورغم تصريحات مبعوث ترامب عن "تقدّم هائل"، فإن موقف موسكو سرعان ما ظهر على حقيقته، بضمانات قائمة على توافق بين أعضاء مجلس الأمن الدائمين، مع حق الفيتو الروسي عمليًّا، ما يعني أن موسكو تريد أن تكون وصيّة على أي ضمانات تُقدَّم لكييف.
هذا الموقف يعيد إلى الأذهان تعثّر محادثات إسطنبول عام 2022، التي فشلت بسبب الخلاف نفسه حول طبيعة الضمانات الأمنية. ومن جانبها، ترى كييف أن الحفاظ على شراكتها مع الناتو وتعزيز قدراتها العسكرية خط أحمر لا يمكن التفاوض بشأنه.
وبينما يناور بوتين ويماطل، يعمل الأوروبيون على خططهم الخاصة، فالخطة "أ" هي إقناع ترامب بأن الكرملين هو العقبة الرئيسية أمام السلام، وبالتالي ضرورة زيادة الضغط على روسيا. وإذا فشلت هذه الخطة، لديهم خطة "ب" التي تعتمد على تعزيز الدعم العسكري لأوكرانيا من مخزوناتهم الخاصة، ومواصلة شراء الأسلحة الأمريكية بتمويل من الأصول الروسية المجمَّدة.
بذلك يسعى الأوروبيون لتأمين شريان حياة طويل الأمد لكييف، حتى لو تراجعت واشنطن عن التزاماتها. لكن هذا المسار ينطوي على مخاطر، إذ إنه يضغط على جاهزية الجيوش الأوروبية نفسها.