الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

أمريكا بدأت طريق الانهيار.. أرقام تنذر بكارثة وسط سيناريوهات مخيفة

  • مشاركة :
post-title
أرقام الاقتصاد الأمريكي المستقبلية تنذر بكارثة وسط سيناريوهات مخيفة

القاهرة الإخبارية - عبدالله علي عسكر

لم تعد الولايات المتحدة اليوم تواجه تحديًا خارجيًا يهدد مكانتها، بقدر ما تواجه خطرًا داخليًا يطل من بين أرقام الموازنات والديون المتراكمة، إنها ليست حربًا مع قوة عظمى منافسة، ولا جائحة عابرة، بل أزمة صامتة تتنامى خلف كواليس الديون الأمريكية.

وحسب مجلة "فورِن أفيرز" الأمريكية، فإنه على مدى عقود، فكل أزمة في أمريكا تحلُّ بمزيد من الاقتراض، وكل كارثة تدار بطباعة المزيد من الدولارات، لكن اليوم، وبعد أن لامس الدين العام الأمريكي 37 تريليون دولار، ومع بلوغ مدفوعات الفوائد مستوى يتجاوز حتى ميزانية الدفاع الأمريكية، فالجميع في انتظار انفجار الأزمة.

إرث الاقتراض

طوال ربع قرن، اعتمدت الولايات المتحدة على الاقتراض باعتباره وسيلة الخروج من الأزمات، ومن الركود العالمي إلى الأوبئة والحروب، مرت كل إدارة ديمقراطية أو جمهورية بنفس طريق المزيد من الديون.

بفضل مكانة الدولار كـ"ملاذ آمن"، كان المستثمرون في الداخل والخارج يتسابقون إلى سندات الخزانة الأمريكية، حتى مع تضاعف الدين، وبدا الأمر وكأنه وجبة غداء مجانية باقترض بلا خوف، وأن العالم سيشتري.

لكن هذه المعادلة بدأت تتهاوى مع صعود أسعار الفائدة طويلة الأجل، حتى على السندات لأجل 10 و30 سنة، وبالنسبة لمدين ضخم بحجم الولايات المتحدة، فإن ارتفاع الفائدة بمقدار نقطة مئوية واحدة يعني 370 مليار دولار إضافية كمدفوعات سنوية للفائدة.

أرقام تنذر بالخطر

في العام المالي 2024، أنفقت واشنطن 850 مليار دولار على الدفاع، لكنها دفعت أكثر من ذلك 880 مليار دولار لخدمة ديونها، هذا المشهد الصادم يعكس أولوية جديدة غير معلنة وهي الدين قبل السلاح.

ومع خفض وكالات التصنيف الائتماني الرئيسية تصنيف الديون الأمريكية، بدأت الحكومات والبنوك المركزية حول العالم تشكك في قدرة واشنطن على ضبط ماليتها.

وسعى الرئيس دونالد ترامب إلى تحميل مجلس الاحتياطي الفيدرالي مسؤولية ارتفاع أسعار الفائدة، لكن الحقيقة أبعد من ذلك، فالمجلس يحدد أسعار الفائدة قصيرة الأجل فقط، بينما تتحكم الأسواق العالمية في المعدلات طويلة الأجل.

وحسب "فورِن أفيرز"، فإذا تراجع استقلال الفيدرالي تحت ضغط سياسي، فإن النتيجة لن تكون انخفاض تكاليف الاقتراض كما يروّج ترامب، بل العكس بارتفاع أكبر في الفائدة وهروب أوسع للمستثمرين.

سيناريوهات مخيفة

لطالما ساعدت مكانة الدولار كعملة احتياطية عالمية على إبقاء تكلفة الاقتراض منخفضة، لكن مع تفاقم الدين، لم يعد الدولار محصنًا، فهناك مخاوف متزايدة من أن البنوك المركزية حول العالم ستبدأ بتقليص حيازتها من الدولار.

وعلى المدى الطويل، قد يخسر الدولار حصته لصالح اليوان الصيني واليورو، أو حتى العملات المشفرة، وهو ما سيؤدي إلى انكماش الطلب على سندات الخزانة الأمريكية ورفع تكلفة خدمة الدين أكثر.

وطرحت إدارة ترامب مقترحات مثيرة للجدل، مثل اتفاقية مار-أ-لاجو، التي تدعو إلى التخلف الانتقائي عن السداد للبنوك المركزية الأجنبية، ورغم أن المقترح لم يطبق، إلا أن مجرد وجوده أطلق إشارات قلق في الأسواق العالمية.

كما طرح مشروع قانون يمنح الرئيس سلطة فرض ضريبة بنسبة 20% على بعض المستثمرين الأجانب، ما اعتبر تحذيرًا من سياسات مالية أكثر عدوانية إذا احتدمت أزمة الديون.

من ريجان إلى بايدن

الأزمة الحالية ليست من صنع إدارة ترامب وحدها، فمنذ عهد رونالد ريجان في الثمانينيات، ترسخت ثقافة الإنفاق بالعجز، وفي عهد جورج بوش الابن، قيل علنا "أثبت ريجان أن العجز لا يهم".

واليوم، ورغم محاولات بايدن الحد من الإنفاق، بلغ العجز في 2024 نحو 1.8 تريليون دولار، أي 6.4% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو رقم قياسي في زمن السلم، لكن التوقعات المستقبلية أصبحت أكثر قتامة، فبحلول 2054 قد يصل الدين إلى 172% من الناتج المحلي الإجمالي، أو حتى 190% إذا استمرت السياسات نفسها.

وتعتمد إدارة ترامب على توقعات نمو مرتفعة، وهي 2.8% سنويًا مقابل 1.8% وفق مكتب الميزانية في الكونجرس، لتبرير استمرار العجز، ويرى ترامب أن ثورة الذكاء الاصطناعي قد تدفع الاقتصاد إلى مستويات غير مسبوقة من النمو.

لكن خبراء آخرين يحذرون من أن هذه الثورة قد تُقابل بعقبات استهلاك ضخم للطاقة، قيود تنظيمية، وتسريح عمال يثير سخطًا شعبيًا يقود لسياسات مقيّدة للنمو.

كارثة على الأبواب

التاريخ يقول إن الأزمات الكبرى تأتي فجأة، من حرب، ووباء، وأزمة مالية، أو كارثة مناخية، وكل واحدة من هذه الصدمات قد تضيف ديونًا تعادل 15-30% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما قد يدفع الولايات المتحدة نحو أزمة ديون كاملة. حتى دون أزمة، فإن استمرار الفوائد المرتفعة مع عجز سياسي عميق سيُقوّض الثقة بالاقتصاد الأمريكي، ويدفع البلاد نحو "عقد ضائع" اقتصادي.

وفي العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، سادت نظرية "الركود المزمن" التي روّج لها لورانس سامرز، واعتُقد أن الفوائد ستبقى منخفضة إلى الأبد، وهذا سمح للسياسيين بتبني إنفاق غير مسبوق.

لكن الواقع تغير، فالديون العالمية ارتفعت، والأحزاب الشعبوية تطالب بمزيد من الإنفاق، والذكاء الاصطناعي والمناخ يضيفان أعباء استثمارية هائلة، لكن النتيجة عودة أسعار الفائدة المرتفعة كحقيقة دائمة.

سيناريوهان محتملان

وفق "فورن أفيرز"، هناك سيناريوهان محتملان، هما انفجار مفاجئ في سوق السندات بسبب انهيار الثقة، وارتفاع تدريجي في الفوائد، يضغط على الاقتصاد ببطء حتى يصل إلى نقطة الانهيار.

في كلتا الحالتين، إذا لم تتخذ الحكومة خطوات صارمة للشفافية وخفض العجز، فإن الانهيار سيكون مسألة وقت.

الطريق إلى الانهيار

وحسب "فورن أفيرز"، تبدو الولايات المتحدة اليوم كمن يقف على حافة جبل شاهق، يحمل فوق كتفيه ثقل 37 تريليون دولار، وقد يظن البعض أن قوة الدولار ومرونة الاقتصاد كفيلتان بإنقاذها، لكن التاريخ يحذر أن كل إمبراطورية ظنت أن ديونها لا تعني شيئًا، دفعت الثمن في النهاية.

وقد يكون الانهيار القادم مفاجئًا كعاصفة، أو تدريجيًا كزحف الرمال، لكن المؤكد أن عصر "وجبة الغداء المجانية" قد انتهى، وأن أمريكا مقبلة على اختبار اقتصادي هو الأخطر منذ الحرب العالمية الثانية.