الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

فضيحة تجسس وفساد.. سد "إتايبو" يشعل أزمة بين البرازيل والباراجواي

  • مشاركة :
post-title
الرئيسان البرازيلي والباراجوياني

القاهرة الإخبارية - نادر عيسى

تشهد العلاقات بين البرازيل والباراجواي توترًا متزايدًا مع دخول المناقشات بين البلدين حول إعادة التفاوض على اتفاقية تشغيل سد "إتايبو"، في أزمة عميقة أدت إلى كشف فضيحة تجسس تحمل تداعيات سياسية واقتصادية كبيرة.

يمتد سد إتايبو -أحد أكبر السدود الكهرومائية في العالم- بطول خمسة أميال على نهر بارانا، والذي يقطع جنوب البرازيل قادمًا من الباراجواي والأرجنتين، ويقع على الحدود بين البرازيل والباراجواي. 

وهذا المشروع المشترك الذي بُني قبل نحو 50 عامًا، يمتلك قدرة إنتاجية تبلغ 14 ألف ميجا وات، ما يجعل منه واحدًا من أكبر محطات توليد الطاقة الكهربائية في العالم. 

في عام 2016 فقط، أنتج السد طاقة كافية لتلبية احتياجات الباراجواي الكهربائية لمدة تزيد على سبع سنوات، ويعتبر سد إتايبو أيضًا أغلى بناء منفرد على وجه الأرض، وفقًا لموسوعة جينيس للأرقام القياسية.

اتهامات بالفساد

غير أن بناء السد، رغم أهميته الإستراتيجية، لم يكن خاليًا من الجدل والاتهامات بالفساد، إذ تجاوزت تكاليفه النهائية، بما في ذلك الديون التي تراكمت على مر السنين، 63 مليار دولار، كما انتقدت الباراجواي بشدة اتفاقية 1973 للإنشاء معتبرة أنها غير عادلة. فبينما يُفترض أن يكون السد مشروعًا مشتركًا يتقاسم فيه البلدان الطاقة المنتجة بنسبة 50/50، إلّا أن الاتفاقية أجبرت الباراجواي، وهي دولة صغيرة وأقل تطورًا وصناعية - عدد سكانها نحو 7 ملايين نسمة-، على بيع فائض الطاقة إلى البرازيل - يبلغ سكانها أكثر من 210 ملايين نسمة- بأسعار متدنية للغاية.

في عام 2023، سدد البلدان القسط الأخير من ديون بناء السد، ما أدى إلى انتهاء مدة الشروط الأساسية للاتفاقية. ومنذ ذلك الحين، تجري محادثات سرية لإعادة التفاوض، تأمل فيها الباراجواي الحصول على سعر تنافسي أفضل لكهربائها، بالإضافة إلى السماح لها ببيع الطاقة لشركات خاصة في البرازيل. وفي المقابل تسعى البرازيل إلى الحفاظ على وصولها إلى هذه الطاقة الرخيصة التي تغطي نحو 20% من طلبها المحلي.

أكدت مرسيدس كانيسي، نائبة وزير المناجم والطاقة السابقة في الباراجواي، أن إعادة التفاوض على اتفاقية إتايبو أمر مصيري لبلادها، مضيفة أن البرازيل "ألحقت أضرارًا جسيمة بالباراجواي"، وأن هذه المحادثات تشكل فرصة لمراجعة الأخطاء وتصحيحها.

أمريكا على الخط

وحظيت المفاوضات باهتمام دولي، إذ أشار وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ الأمريكي في مايو الماضي، إلى أن الطاقة الرخيصة والمتوفرة بكثرة في الباراجواي تمنحها “فرصة هائلة” لتصبح مركزًا رائدًا في الذكاء الاصطناعي، داعيًا المستثمرين الأذكياء للاستفادة من هذا المورد بإنشاء مراكز بيانات في البلاد.

غير أن الأزمة انفجرت بشكل دراماتيكي في أواخر مارس 2025، عندما كشف موقع UOL الإخباري البرازيلي أن جهاز الاستخبارات البرازيلي، تجسس على اتصالات نحو ستة من مسؤولي الباراجواي المشاركين في مفاوضات سد إتايبو.

ورغم محاولة وزارة الخارجية البرازيلية التقليل من حجم الحادث، مؤكدة أن عمليات التجسس بدأت خلال فترة حكم الرئيس السابق جايير بولسونارو، وتوقفت بعد أن علم بها الرئيس الحالي لولا دا سيلفا في بداية ولايته، إلا أن هذه التصريحات لم تقنع الجانب الآخر في الباراجواي، الذي أعلن استياءه العميق وطلب تحقيقًا رسميًا واستدعى سفيره من البرازيل وعلق المفاوضات حتى تقديم تفسير واضح.

وصف وزير الخارجية الباراجواي روبين راميريز ليزكانو عملية التجسس بأنها "انتهاك للقانون الدولي وتدخل في الشؤون الداخلية للبلاد".

وفي لقاء على هامش قمة ميركوسور في بوينس آيرس، التقى الرئيسان سانتياجو بينيا ولويس لولا دا سيلفا في يوليو، وأكد بينيا أن اللقاء كان “صريحًا وبناءً”، ناقشا خلاله إعادة التفاوض على اتفاقية إتايبو وضرورة الوصول إلى "اتفاق عادل ومتوازن"، لكنه جدد رفض بلاده للتجسس وطالب باحترام متبادل.

يتزامن هذا النزاع مع فترة حساسة لمجموعة ميركوسور الاقتصادية، التي تعاني من انقسامات أيديولوجية حادة بين حكومات مختلفة في المنطقة، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي.

ويحذر محللون إقليميون من أن استمرار الخلاف قد يؤثر على مجالات تعاون أخرى، مثل مكافحة تهريب المخدرات، وكذلك على المواقف الموحدة تجاه السياسات الاقتصادية الأمريكية في المنطقة.

وعلى الرغم من أن البرازيل تتمتع باليد العليا كونها اللاعب الأكبر اقتصاديًا ودبلوماسيًا في أمريكا الجنوبية، فإن الباراجواي تستفيد من دعم دولي متزايد إثر فضيحة التجسس، إذ تعتبر حليفة قديمة للولايات المتحدة، وتتمتع بعلاقات مميزة معها، لا سيما مع الحزب الجمهوري.

تحديات داخلية

في الوقت نفسه، تواجه الباراجواي تحديات متزايدة على صعيد الطاقة، إذ بدأ الطلب المحلي على الكهرباء يتزايد بسرعة، في ظل تراجع مستويات المياه في نهر بارانا بسبب تغير المناخ، وارتفاع درجات الحرارة التي تزيد من استهلاك التبريد، إضافة إلى توسع الصناعات كثيفة الاستهلاك للكهرباء، مثل تعدين العملات الرقمية.

تسعى حكومة بينيا إلى تنويع مصادر الطاقة من خلال الاستثمار في الطاقة النووية والطاقة الشمسية ومشروعات كهرومائية أصغر، وتحاول استغلال فائض الطاقة الحالي في مفاوضاتها مع البرازيل للحصول على شروط أفضل أو حتى رفض البيع بأسعار منخفضة.

ومع ذلك، تبقى العلاقات الاقتصادية متشابكة بشدة، إذ تعد البرازيل السوق الرئيسية لصادرات الباراجواي، وتأتي في مقدمة مستثمريها الأجانب.

يرى المحللون أن هناك فرصة للباراجواي لاستثمار المزيد من الطاقات المتجددة وتحديث سد إتايبو، بإضافة توربينات جديدة يمكن أن تزيد الإنتاج بمقدار 4000 ميجا وات، ما قد يرفع عوائد التصدير لسنوات قادمة.

كما تثار مطالبات مجتمعات السكان الأصليين في الباراجواي بتعويضات، إذ أدى فيضان مياه السد إلى تهجير نحو 700 عائلة، بالإضافة إلى غمر شلالات ضخمة كانت تشكل جزءًا من التراث الطبيعي.

يشير الخبراء إلى أن الوقت يداهم الباراجواي، وأن هناك حاجة حقيقية لإعادة تقييم العلاقة مع البرازيل بشكل أكثر عدالة واحترامًا، بعيدًا عن التوترات السياسية والاقتصادية التي طالما أثرت على استقرار المنطقة.