تسعى الأحزاب السياسية التقليدية في فرنسا لاستعادة النظام الثنائي الذي هيمن على المشهد السياسي لعقود، في محاولة للعودة إلى الحقبة التي سبقت صعود الرئيس إيمانويل ماكرون.
وبحسب مجلة "بوليتيكو"، يواجه كل من الحزب الاشتراكي (يسار الوسط) وحزب الجمهوريين (يمين الوسط) نافذة ضيقة لاستعادة الصدارة السياسية، مع منع ماكرون دستوريًا من الترشح لفترة ثالثة، وحظر مارين لوبان من الترشح بسبب إدانتها في قضية اختلاس، بينما يتطلع الناخبون لعودة "الحياة الطبيعية" للسياسة الفرنسية.
من الهيمنة إلى التهميش
لعقود طويلة، هيمن نظام ثنائي على السياسة الفرنسية مشابه لما نراه في الولايات المتحدة بين الديمقراطيين والجمهوريين، أو في بريطانيا بين حزبي العمال والمحافظين، إذ إنه خلال العقود الستة الأولى من الجمهورية الخامسة الفرنسية، تناوب الاشتراكيون والجمهوريون على السلطة في استقرار سياسي نسبي.
لكن "ماكرون" نجح في تدمير هذا النظام عام 2017 عندما ترشح للرئاسة في سن السابعة والثلاثين، من خلال برنامج يدعم الاقتصاد الحر والحريات الاجتماعية، بهدف جمع الناخبين المعتدلين من مختلف التيارات السياسية.
وفقاً لـ"بوليتيكو"، أدى انتصاره إلى نزوح جماعي للقيادات والناخبين من الحزبين التقليديين، حيث انجذب الوسطيون إلى ماكرون، بينما توجهت الأصوات المتشددة إلى قادة أكثر تطرف مثل لوبان على أقصى اليمين وجان-لوك ميلونشون المناهض على أقصى اليسار.
شكلت انتخابات 2022 الرئاسية قمة الإذلال للحزبين التقليديين، إذ حصل الجمهوريون على أقل من 5% من الأصوات، فيما تدهور الاشتراكيون إلى 1.7% فقط، بينما وصلت لوبان للجولة الثانية مع انتهاء ميلونشون في المركز الثالث بفارق ضئيل.
الجمهوريون يستعيدون الزخم
رغم التراجع الحاد، بدأ حزب الجمهوريين في إظهار علامات تعافٍ واضحة، إذ حقق الحزب انتصارًا مهمًا بفوز برونو ريتايو، وزير الداخلية المحافظ والشعبي، في سباق زعامة الحزب، ما بثَّ روحًا جديدة في صفوف المحافظين، وفقًا لـ"بوليتيكو".
كما استفاد الجمهوريون من قرار ماكرون "المتهور"، بحسب وصف المجلة، بدعوة انتخابات مبكرة العام الماضي، حيث عادوا للمشاركة في الحكومة، ما منحهم منصة جديدة لإثبات قدرتهم على الحكم والتأثير، ما جعل التفاؤل يسود أوساط الحزب حاليًا، مع ترقب كبير لاستعادة مكانتهم التقليدية كممثلين لقطاع واسع من ناخبي يمين الوسط.
الاشتراكيون يبحثون عن طريق العودة
في المقابل، يواجه الحزب الاشتراكي تحديًا أكثر تعقيدًا في محاولة استعادة زعامة اليسار الفرنسي، إذ يستعد أعضاء الحزب لانتخاب أمين عام جديد في اقتراع حاسم سيحدد مسار الحزب نحو انتخابات 2027.
يقود نيكولا ماير-روسينيول، عمدة مدينة روان النورماندية، حملة طموحة لتولي قيادة الحزب رغم الأجواء الصعبة التي يمر بها.
وفي تصريح لـ"بوليتيكو"، أوضح جيروم جيدج، النائب الاشتراكي البارز والداعم لماير-روسينيول، أن الهدف هو "إقامة مرشح اشتراكي، ثم التوجه إلى شركائنا على اليسار"، ما يعكس استراتيجية الحزب في محاولة استعادة الزعامة اليسارية من ميلونشون دون إقصاء مؤيديه.
نجح الاشتراكيون أخيرًا في تحقيق إنجاز مهم عندما انضموا، بتردد، إلى ميلونشون في تحالف شامل لليسار فاجأ المؤسسة السياسية بفوزه في الانتخابات، ما منحهم أملًا جديدًا في إمكانية العودة للمقدمة.
معركة استعادة الناخبين
مع بدء تشكل السباق لخلافة ماكرون، يسعى كلا المعسكرين لتنفيذ استراتيجيات متقنة لاستعادة الناخبين المفقودين، إذ كشف مسؤول رفيع المستوى من الجمهوريين، في تصريح لمجلة "بوليتيكو" شرط عدم الكشف عن هويته، أن "جاذبية ماكرون مع مرور الوقت انحرفت بشكل كبير نحو ناخبي اليمين، وستحدث حتمًا إعادة تنظيم حيث يعود هؤلاء الناخبون بينما يتجه الباقي إلى الحزب الاشتراكي".
لكن التحديات تبقى جسيمة، إذ يواجه الاشتراكيون معضلة الإطاحة بميلونشون من زعامة اليسار دون خسارة قاعدته الجماهيرية الواسعة، أما الجمهوريون فيحتاجون للتغلب على المحافظين البارزين الذين انتقلوا لماكرون ويستعدون الآن لحملاتهم الرئاسية الخاصة، مثل رئيس الوزراء السابق إدوار فيليب ووزير العدل الحالي جيرالد دارمانين.
في تقييم واقعي للوضع، أوضح المسؤول الحكومي لمجلة "بوليتيكو": "الأمر يتعلق بمن ينهار أولاً، فلا يوجد طريق لفيليب أو دارمانين بدون الجمهوريين"، ما يكشف عن طبيعة المعركة السياسية المقبلة والرهانات العالية التي تحيط بمحاولة استعادة النظام الثنائي التقليدي في فرنسا قبل انتخابات 2027.