في صباحٍ اليوم الأحد، تردّدت مزامير الصلاة بين جدران كنيسة في قلب مدينة سومي الأوكرانية ، احتفالا بـ"أحد الشعانين"، أحد المناسبات الدينية، وبينما كان المصلّون يتوافدون على القداس، وفي لحظة واحدة، اخترق صاروخ الحرب الجدران وأسكت المزامير وقتل المصلين، محوِّلاً الكنسية إلى مرثية جماعية.
وبين دموع توزعت بين أروقة المدينة التي لا تزال تحصي جراحها منذ بداية الحرب، تستمر المحاولات الدولية لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية التي تدخل عامها الرابع.
أكثر الهجمات دموية
استيقظت مدينة سومي الواقعة شمال شرق أوكرانيا، صباح اليوم الأحد، على أكثر هجماتها دموية منذ بداية العام، فقد استهدفت الصواريخ السكان أثناء تجمعهم لحضور قداس أحد الشعانين، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 32 شخصًا، بينهم طفلان، وإصابة 99 آخرين، وفقًا لبيان صادر عن وزارة الداخلية الأوكرانية، وشهدت المدينة دمارًا واسعًا في وسطها التجاري والديني، بينما تكدّست الجثث تحت أنقاض المباني، بحسب شبكة "سي إن إن" الأمريكية.
وأكد الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن الهجوم تم بواسطة صواريخ باليستية، واصفًا الحادث بأنه "إرهاب روسي متعمد"، ودعا إلى "ردّ قوي من العالم"، مشددًا على أن روسيا تُطيل أمد الحرب وتُقوّض جهود الوساطة الدولية، وعلى رأسها مبادرة الولايات المتحدة للتوصل إلى وقف إطلاق نار شامل، وقال "بدون ضغط على المعتدي، يستحيل تحقيق السلام، لم يوقف الحوار إطلاق الصواريخ والقنابل"، صرّح زيلينسكي في خطاب حاد، "علينا أن نعامل روسيا كما يُعامل الإرهابيون"، حسب قوله.
إدانات دولية
أثار الهجوم الروسي على مدينة سومي موجة إدانات عالمية، أبرزها من المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين، كيث كيلوج، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى أوكرانيا وروسيا، وصف الهجوم بأنه "يتجاوز كل خطوط اللياقة".
وقال "كيلوج": "بصفتي قائدًا عسكريًا سابقًا، أعلم معنى الاستهداف، هذا خطأ جسيم"، كما صرّح بـ"ولهذا يعمل الرئيس ترامب جاهدًا لإنهاء هذه الحرب"، بحسب "سي إن إن".
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين إن الضربات تُعدّ "تذكيرًا قاتمًا بأن روسيا كانت ولا تزال المعتدي". وأضافت أن هذا "هجوم بربري، ازداد وحشيته مع تجمع الناس سلميًا للاحتفال بأحد الشعانين".
ووصف المستشار الألماني المنتهية ولايته أولاف شولتس الهجوم بأنه "مروع"، وأضاف أنه يظهر أن "روسيا تواصل بلا هوادة حربها العدوانية ضد أوكرانيا"، وأدانت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني "الهجوم الروسي الرهيب والجبان".
ووصف وزير الخارجية التشيكي يان ليبافسكي زعماء روسيا بأنهم "قتلة"، ووصف الهجوم بأنه "شنيع".
واستنكر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في منشور له على منصة "إكس" الهجوم الصاروخي الروسي على مدينة سومي الأوكرانية، واتهم موسكو بمواصلة الحرب متجاهلة "الأرواح البشرية والقانون الدولي والمبادرات الدبلوماسية" للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، داعيًا إلى تدابير صارمة لفرض وقف إطلاق النار.
ذخائر عنقودية
تشير التحقيقات الأولية إلى أن الهجوم قد نُفّذ باستخدام ذخائر عنقودية، وهذه الذخائر تُطلق مجموعة من القنابل الصغيرة، تنتشر على مساحة واسعة وقد تستمر في الانفجار بعد فترة طويلة، ما يجعلها تهديدًا مستمرًا للمدنيين.
قال أندريه يرماك، رئيس مكتب الرئيس الأوكراني: "إطلاق صاروخ يحمل قنابل عنقودية يُعد استهدافًا متعمدًا للمدنيين"، وحسب "سي إن إن"، فإن الهجوم أودى بحياة شخصيات بارزة في المجتمع المحلي، من بينهم أولينا كوهوت، فنانة في أوركسترا مسرح سومي الوطني، وليودميلا هورديينكو، نائبة رئيس مصلحة الضرائب الحكومية في المنطقة.
ووصفت المسؤولة عن السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس الهجوم بأنه "مثال مروع على تصعيد روسيا لعدوانها رغم قبول أوكرانيا وقف إطلاق النار"، فيما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن يجب اتخاذ "تدابير قوية" ضرورية لإجبار موسكو على الالتزام بالهدنة.
وأدان ماتياس شمالي، منسق الشؤون الإنسانية في أوكرانيا بالأمم المتحدة، الضربة على سومي "بأشد العبارات الممكنة"، مؤكّدًا أن القانون الدولي "يحظر تمامًا استهداف المدنيين والبنى التحتية المدنية".
الهجوم الثاني
بحسب رئيس الإدارة العسكرية في المنطقة فولوديمير أرتيوخ، فقد وقع انفجار ثانٍ بعد نحو 200 متر من الأول، في منطقة مزدحمة تضم مباني سكنية ومدارس ومتاجر، الصاروخ الثاني كان محمّلًا بذخائر انفجرت في الجو، متسببة بأكبر عدد ممكن من الإصابات، قائلًا: "لقد استُهدفت حافلة كهربائية كانت تقل مدنيين، معظم من فيها قُتل".
وأشار "زيلينسكي" إلى أن الهجوم يأتي بعد شهرين من تجاهل فلاديمير بوتين لمبادرة أمريكية تقضي بوقف إطلاق نار غير مشروط لمدة 30 يومًا، كانت أوكرانيا قد وافقت عليها.
لقاءات سرية
في تطور موازٍ، التقى المسؤول السابق في إدارة ترامب ستيف ويتكوف بالرئيس الروسي بوتين لأكثر من أربع ساعات، بحسب ما أكده ترامب في تصريحات لاحقة قال فيها: "أعتقد أن الأمور قد تسير على ما يرام بين أوكرانيا وروسيا، سنرى ما سيحدث، لكنني أظن أن الأمور تسير في الاتجاه الصحيح"، وهو ما أثار موجة انتقادات داخل الولايات المتحدة وخارجها، وفقًا لـ"سي إن إن".
وكثّفت روسيا هجماتها في الأسابيع الأخيرة على منطقة سومي، في إطار سعيها لطرد القوات الأوكرانية من المناطق الحدودية مع إقليم كورسك الروسي، بل وتمكنت من احتلال بعض المستوطنات الصغيرة داخل المنطقة.
خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، سجلت هجمات روسية أخرى في مناطق دونيتسك وخاركيف وخيرسون، أسفرت عن مقتل ثمانية أشخاص على الأقل، وإصابة ما لا يقل عن 18 آخرين، وفقًا للتقارير الأوكرانية الرسمية.