الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

صراع الظلال.. آسيا الوسطى تهدد العلاقة الذهبية بين موسكو وبكين

  • مشاركة :
post-title
الرئيسان الصيني شي جين بينج والروسي فلاديمير بوتين

القاهرة الإخبارية - عبدالله علي عسكر

على الحدود الجنوبية لروسيا، وتحديدًا في قلب آسيا الوسطى، تختمر ملامح تحوّل استراتيجي دقيق قد يكون له وقع الزلزال في علاقات القوى العظمى، ففي الوقت الذي يخوض فيه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حربًا طويلة الأمد في أوكرانيا، يبدو أن عين موسكو الأخرى تراقب بصمت التغلغل الصيني المتنامي في دول الجوار السوفيتي السابق.

ومع تضارب المصالح بين البلدين، تُطرح توقعات بتحوّل آسيا الوسطى إلى شرارة خلاف قد تمزق "الصداقة بلا حدود" بين بكين وموسكو، ورصدت صحيفة "ذي إندبندنت" البريطانية في تقرير خريطة النفوذ المتداخلة في المنطقة مع تحليل لمآلات العلاقة الثنائية بين الصين وروسيا، وسط تنافس محتدم على قلب آسيا الوسطى.

بوتين يمدّ أنظاره جنوبًا

منذ إعادة انتخابه عام 2024، لم يتردد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في إرسال إشارات قوية تدل على أهمية آسيا الوسطى في أجندته الجيوسياسية، فبعد زيارته إلى الصين وبيلاروسيا، حلّ ضيفًا على أوزبكستان في ثالث زيارة خارجية له، في خطوة فسرتها "ذي إندبندنت" بأنها تأكيد على استمرار ارتباط موسكو العميق بهذه المنطقة الاستراتيجية.

ومع اشتداد وطأة العقوبات الغربية على روسيا جرّاء حربها المستمرة في أوكرانيا، ازدادت شراكتها الاقتصادية مع دول آسيا الوسطى بشكل ملحوظ، أصبحت شركتا "لوك أويل" و"جازبروم" الروسيتان من أبرز اللاعبين في قطاع الطاقة الأوزبكي، بينما باتت موسكو تسيطر على نحو ربع إنتاج اليورانيوم في كازاخستان.

إلا أن هذه المساعي تأتي في وقت تشهد فيه آسيا الوسطى تحولات جذرية في علاقاتها الخارجية، لا سيما مع الصين.

آسيا الوسطى تبتعد عن موسكو

رغم الإرث التاريخي الذي يربط دول آسيا الوسطى بروسيا -إذ كانت جزءًا من الاتحاد السوفيتي حتى تفككه عام 1991- فإن زعماء هذه الدول بدأوا بممارسة استقلالية متزايدة.

في قمة رابطة الدول المستقلة عام 2022، وجّه رئيس طاجيكستان رسالة صريحة إلى بوتين، طالبًا منه احترام الدول "الصغيرة"، وفي العام التالي، خلال زيارة بوتين إلى كازاخستان، ألقى الرئيس قاسم جومارت توكاييف خطابه بلغة بلاده بدلًا من الروسية، في رسالة رمزية تعكس الانفصال التدريجي عن الهيمنة الروسية.

أما في منتدى اقتصادي استضافته روسيا عام 2022، فقد أعلن توكاييف بوضوح أن كازاخستان لا تعترف بـ"الدول شبه المستقلة" التي تديرها موسكو في أوكرانيا، في موقف مثّل صفعة دبلوماسية علنية.

ورغم هذه المواقف، لا تزال دول آسيا الوسطى جزءًا من تحالفات أمنية واقتصادية تقودها روسيا، مثل منظمة معاهدة الأمن الجماعي، والاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ما يشير إلى استمرار روابط مؤسساتية يصعب فكها في المدى القريب.

الصين تتقدّم بخطى واثقة

في ظل انشغال روسيا بالحرب وتضييق العقوبات، استغلت الصين اللحظة لتعزيز وجودها في آسيا الوسطى، مستندة في ذلك إلى أدوات اقتصادية ضخمة.

منذ عام 2013، حين كشفت بكين عن مبادرة "الحزام والطريق" في كازاخستان، بدأت ترسم شبكة علاقات تجارية عابرة للحدود، وبحلول عام 2024، أصبحت الصين الشريك التجاري الأكبر لجميع دول المنطقة – باستثناء طاجيكستان – متجاوزة بذلك روسيا.

لكن النفوذ الصيني لم يتوقف عند الاقتصاد، بل امتد إلى السياسة، ففي القمة الافتتاحية بين الصين وآسيا الوسطى عام 2023، وعد الرئيس الصيني شي جين بينج بدعم سيادة وأمن وسلامة أراضي المنطقة، وهو خطاب تقليدي كان يُسمع من موسكو.

ولم يتردد "شي" في القيام بزيارات رفيعة المستوى إلى دول آسيا الوسطى، مؤكدًا الاهتمام الاستراتيجي الصيني المتزايد بهذه المنطقة الحيوية.

حذر شعبي

ورغم اتساع نفوذ الصين، فإن الشعوب المحلية لا تنظر بعين الرضى إلى هذا الحضور المتنامي، وتُظهر استطلاعات الرأي العام أن التصورات الشعبية تجاه الصين أكثر سلبية مقارنة بروسيا.

ويُعزى هذا التوجس إلى أن المشاريع الصينية الكبرى غالبًا ما تستقدم عمالًا صينيين بدلًا من توظيف السكان المحليين، ما يثير استياءً في أوساط العاطلين عن العمل، كما تخشى بعض الأصوات من الوقوع في "فخ الديون" الذي رافق استثمارات صينية في دول أخرى، مثل سريلانكا.

صداقة تحت المجهر

في خضم هذه التحولات، بدأت تتصاعد التساؤلات حول مصير العلاقة المتينة التي جمعت موسكو وبكين خلال السنوات الأخيرة، التي وُصفت مرارًا بأنها "صداقة بلا حدود".

وفي منتدى حديث، اعترف الرئيس بوتين بالدور الاقتصادي المتزايد للصين في آسيا الوسطى، لكنه أصر على أن علاقات روسيا مع دول المنطقة "متجذّرة في التاريخ"، ورفض الإقرار بأي نوايا توسعية صينية، بل ذهب إلى القول إن "الفلسفة الصينية لا تسعى إلى الهيمنة"، معتبرًا أن بكين شريك لا يهدّد النفوذ الروسي.

لكن واقع الأرض يُخبر قصة أخرى، فالتغلغل الصيني بات ملموسًا في الاقتصاد والسياسة، بينما تتراجع قبضة موسكو تدريجيًا، وإن بقيت مؤثرة.

وفي خضم تنافس القوتين العظميين، تسعى دول آسيا الوسطى إلى لعب دور الحَكَم الذكي، مستفيدة من الوضع لصالحها عبر تنويع تحالفاتها.

وقد بدأت بعض النخب المثقفة في هذه الدول تروّج لفكرة تعزيز العلاقات مع تركيا، نظرًا للروابط الثقافية واللغوية والدينية، في محاولة للابتعاد عن قطبي الهيمنة الروسية والصينية.

ومع أن روسيا لا تزال تحتفظ بنفوذ قوي يستند إلى التاريخ واللغة والتحالفات الأمنية، إلا أن احتكارها لم يعد مضمونًا. فالصين أصبحت لاعبًا لا يمكن تجاهله، والحكومات المحلية أصبحت أكثر جرأة في التعبير عن مصالحها المستقلة.