بعد عودته إلى البيت الأبيض، يُصعّد الرئيس دونالد ترامب حربه التجارية مع الصين، من خلال فرض تعريفات جمركية شاملة بلغت 54%، في ما يبدو أن أكبر اقتصادين في العالم يتجهان نحو التصعيد في حرب تجارية قد تؤدي إلى زعزعة سلاسل التوريد العالمية.
وأعلن ترامب أن الصين ستواجه تعريفة جمركية بنسبة 34%، بالإضافة إلى نسبة 20% التي فرضها في وقت سابق من هذا العام، ليصل إجمالي الرسوم الجديدة إلى 54%، وهو رقم يقترب من نسبة 60% التي هدد بها خلال حملته الانتخابية التي فاز فيها في نوفمبر الماضي.
كما وقع ترامب أمرًا تنفيذيًا يغلق ثغرة تجارية معروفة باسم "دي مينيمس" سمحت بدخول الطرود منخفضة القيمة من الصين وهونج كونج إلى الولايات المتحدة معفاة من الرسوم الجمركية.
توازن المصالح
من جهتها، حثَّت الصين حثّت الولايات المتحدة على الإلغاء الفوري لأحدث تعريفاتها الجمركية، وتعهدت باتخاذ إجراءات مضادة لحماية مصالحها، بعد إعلان الرئيس الأمريكي ب فرض رسوم جمركية شاملة على جميع الشركاء التجاريين للولايات المتحدة حول العالم، بحسب ما نقلته "رويترز".
وأوضحت وزارة التجارة الصينية، في بيانٍ، أن الخطوة الأمريكية تتجاهل توازن المصالح الذي تم التوصل إليه في مفاوضات التجارة متعددة الأطراف على مرِّ السنين، وحقيقة أن الولايات المتحدة استفادت بشكل كبير من التجارة الدولية لفترة طويلة.
وأضاف البيان: "الصين تعارض هذا بشدة وستتخذ إجراءات مضادة لحماية حقوقها ومصالحها".
وسيواجه المصدِّرين الصينيين سيواجهون -كما هو الحال مع نظرائهم من كل اقتصاد آخر- تعريفة أساسية بنسبة 10% كجزء من الرسوم الجديدة البالغة 34%، على نحو جميع السلع المشحونة إلى أكبر اقتصاد استهلاكي في العالم اعتبارًا من يوم السبت، قبل أن تدخل "التعريفات المتبادلة" الأعلى المتبقية حيز التنفيذ اعتبارًا من 9 أبريل.
إستراتيجيات بكين بالحرب التجارية
وفقًا لروبي عثمان، خبيرة الشؤون الصينية في معهد توني بلير للتغيير العالمي: "يمكن القول إن تعريفات الرئيس ترامب في أماكن أخرى ستسبب معظم الصداع".
وأضافت لـ"رويترز": "أعادت الشركات الصينية توجيه التجارة عبر أماكن مثل فيتنام والمكسيك لتجنب العقوبات الأمريكية، لكن هذه الأسواق تتعرض الآن لتعريفات كبيرة خاصة بها".
فيما يمكن أن تشجع تعريفات ترامب الصين على تعزيز تجارتها مع أسواق بديلة، لكن لا توجد دولة أخرى حاليًا تقترب حتى من قوة الاستهلاك الأمريكية، إذ يبيع المنتجون الصينيون سلعًا بقيمة تزيد على 400 مليار دولار سنويًا.
وقال وليام هيرست، الأستاذ في جامعة كامبريدج، لـ"رويترز": "تعريفات ترامب بالتأكيد لن تساعد الشركات الصينية وستسبب بعض الألم الحقيقي في بعض القطاعات، لكنها لا تترك أي علامة حاسمة على الاقتصاد الصيني.. الصادرات الأمريكية ذات أهمية متناقصة للصين.. ستحفز التعريفات الأمريكية المزيد من التجارة الصينية مع أماكن أخرى، من أوروبا إلى جنوب شرق آسيا وإفريقيا".
سباق الفئران
لكن المنتجين الصينيين وصفوا التحول إلى أسواق بديلة بأنه "سباق الفئران"، ما يؤدي إلى حروب أسعار بين المصدرين تهدد بتأجيج قوى انكماشية في ثاني أكبر اقتصاد في العالم حيث تواصل الشركات ضغط الهوامش المتقلصة.
وحافظت الصين على هدفها الاقتصادي لهذا العام دون تغيير عند "حوالي 5%" رغم موجات التعريفات الجمركية التي أطلقها ترامب، والتي قد تضع حدًا لانتعاش مدفوع بالتصدير في الغالب منذ نهاية جائحة كوفيد-19.
وتعهدت الحكومة بتقديم المزيد من الحوافز المالية، وزيادة إصدار الديون، ومزيد من التيسير النقدي، والتركيز بشكل أكبر على تعزيز الطلب المحلي للتخفيف من تأثير الحرب التجارية.
وقالت روبي عثمان: "كانت الصين تعلم أن هذا اليوم قادم قبل ذلك بوقت طويل، وكانت إعلانات التحفيز المقيدة نسبيًا في اجتماعات الدورتين في مارس حسابًا وليس إغفالًا.. احتفظت بكين عمدًا بالمزيد في الاحتياطي، سواء من حيث التحفيز المحلي أو الإجراءات الانتقامية، في حالة احتياجها للرد بقوة أكبر".
مستقبل علاقات ترامب وشي
قد يدخل الرئيس الصيني شي جين بينج أيضًا في المعركة، بعد تقارير عن احتمال اجتماع الزعيمين في يونيو في الولايات المتحدة.
وقال كريج سينجلتون، كبير الزملاء في معهد مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، ومقره واشنطن: "ترامب وشي عالقان في مفارقة الضغط والكبرياء.. إستراتيجية ترامب تمزج بين الضغط الأقصى والمبادرات الدبلوماسية المفاجئة، فهو يرى النفوذ والمشاركة كعنصرين متكاملين.. أما "شي"، على النقيض من ذلك، فهو منهجي ويتجنب المخاطر، معتمدًا على التأخير والانضباط".
وأضاف سينجلتون: "هنا تكمن المعضلة: إذا رفض المشاركة، يتصاعد الضغط؛ وإذا شارك في وقت مبكر جدًا، فإنه يخاطر بالظهور بمظهر الضعيف.. لا أحد منهما يريد أن يُنظر إليه على أنه أول من يتنازل، لكن التأخير قد يعمق المواجهة".