في ظل تصاعد التوترات السياسية في إسرائيل، حذَّر رئيس المحكمة العليا الإسرائيلية المتقاعد أهارون باراك، من أن البلاد قد تنزلق نحو حرب أهلية، نتيجة للشرخ العميق الذي يشهده المجتمع الإسرائيلي.
هذه التصريحات، التي نشرتها صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية، جاءت في وقت تستعد فيه الحكومة للموافقة على إقالة رئيس جهاز الأمن العام (الشاباك) رونين بار، وسط تحقيقات متعلقة بقضايا متورط فيها أعضاء من حكومة بنيامين نتنياهو.
"إسرائيل تنزلق نحو الهاوية"
في مقابلة مع موقع Y.net، وصف "باراك" الانقسام الداخلي في إسرائيل بالجبهة الثامنة، معتبرًا إياه أخطر من جميع التحديات الأمنية التي تواجهها البلاد، وقال: "هذا الشرخ يتفاقم، وأخشى أن تكون نهايته كقطار يخرج عن مساره، ينحدر نحو الهاوية ويؤدي إلى حرب أهلية".
وحول قضية رئيس الشاباك، أعرب باراك عن قلقه من استغلال الأغلبية الحاكمة لسلطتها في تنفيذ قرارات سياسية تهدد أسس الديمقراطية، مضيفًا: "علينا منع استبداد الأغلبية التي تستخدم قوتها البرلمانية لفرض إرادتها دون قيود".
محاولات التسوية مع نتنياهو
لم تكن هذه المرة الأولى التي يحاول فيها "باراك" التوسط لحل الأزمة السياسية في إسرائيل، إذ كشف أنه سعى مجددًا إلى التوصل إلى صفقة إقرار بالذنب مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، لكن هذه الجهود لم تثمر عن نتائج ملموسة.
ورغم أن باراك كان صديقًا لنتنياهو في الماضي، إلا أنه لم يعد يفهم دوافعه الحالية، وقال: "لطالما أشدت بولائه لسيادة القانون، لكن لا يمكنني تحليل ما يدور في ذهنه الآن".
هجوم لاذع ضد حكومة نتنياهو
انتقد باراك بشدة سلوك الحكومة الإسرائيلية، متهمًا إياها باستخدام سلطتها التنفيذية لتحقيق مكاسب سياسية، قائلًا: "يعتقد الائتلاف الحاكم أن حصوله على 64 مقعدًا في الكنيست يمنحه الحق في إقالة رئيس الشاباك، والمستشار القانوني للحكومة، وتعيين قضاة وفق اعتبارات سياسية.. هذا نهج خطير يجب أن يتوقف فورًا".
ودعا إلى التوصل إلى اتفاق مشابه لما اقترحه الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوج، مشيرًا إلى أن ثقافة المقاطعة والانقسام المستمرة تذكره ببدايات الدولة، عندما كان حزب "ماباي" يرفض التعامل مع حزبي حيروت وماكي.
إقالة وضربة للقضاء
أعرب باراك عن رفضه القاطع لإقالة المستشارة القانونية للحكومة جالي بهاراف ميارا، مؤكدًا أنها أدت عملها بكفاءة، وأضاف: "إقالتها ستضر بجهاز قضائي مهم، وتضعف قدرة الدولة على الحفاظ على استقلاليته، وستكون ضربة لكل مواطن إسرائيلي يؤمن بسيادة القانون".
ردًا على نية الحكومة إقالة رئيس الشاباك، أوضح باراك أن القانون يمنحها الصلاحية للقيام بذلك، لكنه تساءل عن المبررات الحقيقية وراء القرار، مضيفًا: "تقول الحكومة إنها فقدت الثقة برئيس الشاباك، لكن هذا ليس مبررًا كافيًا للإقالة، هذه خطوة تنطوي على تضارب مصالح، ولو كنت قاضيًا في المحكمة العليا لرفضتها تمامًا".
خطر تغيير لجنة اختيار القضاة
من بين القضايا المثيرة للجدل التي تناولها باراك، خطة الحكومة لتغيير تشكيلة لجنة اختيار القضاة، وأعرب عن استيائه من هذا المقترح، مشيرًا إلى أنه "سيحوّل جميع التعيينات القضائية إلى قرارات سياسية، ما يلحق ضررًا بالغًا بالديمقراطية ويهدد استقلال القضاء الإسرائيلي".
لم تمر تصريحات باراك دون ردود فعل، إذ كتب وزير الخارجية جدعون ساعر في منشور على منصة "إكس" (تويتر سابقًا): "لن تكون هناك حرب أهلية"، في محاولة لتهدئة المخاوف التي أثارها رئيس المحكمة العليا المتقاعد.
ويُعرف باراك بأنه "أبو الثورة الدستورية" في إسرائيل، وكان دائمًا معارضًا قويًا للتعديلات القانونية التي تدعمها حكومة نتنياهو، وسبق أن خرجت مظاهرات أمام منزله، بعضها مؤيدة له والبعض الآخر معارضة، وتعرض لهتافات قاسية من قبل أنصار الحكومة، بينما لقي دعمًا من المتظاهرين المعارضين، مما أثر فيه عاطفيًا.
تأثير باراك في المحكمة الدولية
رغم الانتقادات التي وُجّهت إليه، كان باراك الشخص الذي اختاره نتنياهو لتمثيل إسرائيل في محكمة العدل الدولية في لاهاي، في القضية التي رفعتها جنوب إفريقيا، متهمة إسرائيل بارتكاب "إبادة جماعية في غزة"، وتم اختياره لهذا الدور نظرًا لمكانته القانونية العالمية، ولأنه أحد الناجين من الهولوكوست، وهو ما يمنحه ثقلًا شخصيًا قد يؤثر في قرار القضاة الدوليين.
وأشاد "ساعر" بهذا الاختيار، مغردًا: "في لحظة الحقيقة، تغلبت المكانة الدولية والخبرة القانونية على التحريض والتشهير، أهنئ رئيس الوزراء والمستشار القانوني للحكومة على القرار الصائب".
إسرائيل على مفترق طرق
تعكس تصريحات "باراك" حجم الأزمة السياسية التي تمر بها إسرائيل، إذ يواجه النظام الديمقراطي تحديات غير مسبوقة، وبينما تسعى الحكومة إلى تعزيز سيطرتها، يرى معارضوها أن هذه الخطوات تهدد استقلال القضاء وتزيد من الاستقطاب الداخلي.
وتصاعدت موجة الغضب في إسرائيل مساء أمس الخميس، حيث شهدت مدينة القدس المحتلة احتجاجات حاشدة ضد إقالة رئيس جهاز الشاباك، والتي تزامنت مع اجتماع لمجلس الوزراء الإسرائيلي للتصويت على القرار المثير للجدل.
وانطلقت المظاهرات من شارع غزة في مدينة القدس المحتلة، بالقرب من منزل رئيس الوزراء، واتجهت نحو مقر الحكومة الإسرائيلية، وشهدت الاحتجاجات تصعيدًا خطيرًا عندما أقدم رجال الشرطة على تحطيم نوافذ السيارات بمطارق وأحجار، وسط دهشة السائقين والركاب.