عبَّر الملك تشارلز الثالث عن "عميق مودته" لكندا، في أعقاب تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المثيرة للجدل بضم البلاد واعتبارها الولاية الأمريكية رقم 51، خلال استقباله لمسؤولين كنديين رفيعي المستوى في قصر باكنجهام، في لقاء وصفته صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية بأنه "روتيني لكنه بالغ الأهمية في ظل السياق العالمي الحالي".
تهديدات ترامب
كرر الرئيس الأمريكي، الذي تولى منصبه رسميًا في يناير الماضي، تصريحات تلوح بإمكانية ضم كندا وجعلها الولاية الأمريكية رقم 51.
وزاد من حدة التوتر عندما هدد بمضاعفة الرسوم الجمركية على واردات الصلب والألومنيوم الكندية من 25% إلى 50%، قبل أن يتراجع عن هذه الخطة بعد ساعات.
في المقابل، اتخذت كندا موقفًا حازمًا، إذ تعهد مارك كارني، رئيس الوزراء الكندي القادم، بالإبقاء على التعريفات الانتقامية حتى تلتزم الولايات المتحدة بالتجارة الحرة، في إشارة واضحة لرفض كندا للضغوط الأمريكية والتمسك بسيادتها الوطنية.
أبعاد اللقاء الملكي
استقبل الملك تشارلز، أمس الأربعاء في قصر باكنجهام، كلًا من جريج بيترز، حامل العصا السوداء بمجلس الشيوخ الكندي، وهو منصب تشريفي رفيع في النظام البرلماني الكندي مستوحى من التقاليد البريطانية، ويتولى صاحبه مهام مراسمية وتنظيمية مهمة داخل مجلس الشيوخ، وريموند جانيي، رئيسة المجلس، في جلسة خاصة استمرت 30 دقيقة.
وبحسب مصدر ملكي نقلت عنه صحيفة "ذا تليجراف"، أتاح اللقاء فرصة "لإعادة تأكيد" المشاعر الداعمة التي عبّر عنها الملك الشهر الماضي بمناسبة الذكرى الستين للعلم الكندي.
وخلال اللقاء، الذي سبق التخطيط له منذ فترة طويلة، تم تقديم سيف احتفالي جديد كلف به مجلس الشيوخ الكندي تكريمًا للملك بمناسبة تغيير العرش.
ورغم خصوصية المقابلة، إلا أن المصدر الملكي أشار إلى أنه من غير المعتاد في ظل الظروف الحالية ألا تتم مناقشة تصريحات ترامب الاستفزازية بشأن التعريفات التجارية وسيادة كندا.
دعوات كندية لتدخل الملك
كشفت "ذا تليجراف" أن الملك تشارلز تلقى دعوات صريحة من شخصيات كندية بارزة للتصدي لتهديدات الرئيس الأمريكي.
وفي هذا السياق، قالت دانييل سميث، رئيسة وزراء ألبرتا، أغنى مقاطعة كندية: "نحن نصلي (الله يحفظ الملك) كل أسبوع عندما نكون في المجلس التشريعي.. أقسم يمينًا للملك، وسرية مجلسنا يؤكدها قسمنا للملك، وصورته على أوراقنا النقدية.. لذلك أعتقد أنه يجب أن يكون له رأي في حملة ترامب لضم كندا، لأنها تمثل -في رأيي- مواجهة مباشرة للسيادة البريطانية".
الدبلوماسية الناعمة
وأشارت "ذا تليجراف" إلى أن الملك "واعٍ جدًا" بمسؤوليته العالمية وبمسائل "الدبلوماسية الدقيقة" التي تقع على عاتقه.
وأظهر الملك تشارلز براعة في ممارسة الدبلوماسية الناعمة في مواقف عدة، آخرها استضافته الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في نورفولك، بعد أيام من خلافه مع ترامب في المكتب البيضاوي، وهو ما أثار استياء الرئيس الأمريكي، حسبما نقلت "ذا تليجراف" عن مصادر دبلوماسية.
كما التقى الملك برئيس الوزراء الكندي المنتهية ولايته جاستن ترودو في قصر باكنجهام في وقت سابق من هذا الشهر، حيث تمت مناقشة قضايا ذات أهمية للكنديين، بما في ذلك "الدفاع عن السيادة والاستقلال الكندي". وبعد الاجتماع، كشف مصدر ملكي أن الملك يخطط لزيارة كندا في عام 2026.
ورغم الدعوات لتدخل مباشر من الملك، أوضح مصدر ملكي للصحيفة أن "دور الملك كرجل دولة ورئيس دولة لكل من المملكة المتحدة وكندا مهم للغاية، وجلالته مصمم على لعب دوره ضمن المعايير المناسبة، دوره بالضرورة والالتزام الدستوري هو تقديم إيماءات رمزية، وليس التعبير عن تعليقات مباشرة".
مستقبل العلاقات مع ترامب
وأشارت "ذا تليجراف" إلى أنه مع بداية فترة رئاسة ترامب الثانية، تتزايد المخاوف من توجهاته الحمائية والأحادية التي قد تؤثر على العلاقات الدولية، خاصةً مع الحلفاء التقليديين مثل كندا والمملكة المتحدة، وفي هذا السياق، يكتسب دور الملك تشارلز أهمية خاصة كونه رأس الكومنولث وزعيم لعدة دول من بينها كندا.
ويبدو أن الدبلوماسية البريطانية تسعى للحفاظ على توازن دقيق، إذ وجه الملك دعوة لترامب لزيارة المملكة المتحدة في زيارة دولة ثانية غير مسبوقة، بالإضافة إلى زيارة مبكرة لأسكتلندا، في محاولة لتخفيف التوترات وضمان استمرار العلاقات الإيجابية بين الحلفاء.