الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية

صراع الرؤى.. ملف أوكرانيا يشعل خلافات اليسار الفرنسي

  • مشاركة :
post-title
زعيم حزب "فرنسا الأبية" اليساري جان لوك ميلانشون

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

ارتفعت وتيرة الخلافات بين زعيم حزب "فرنسا الأبية" اليساري جان لوك ميلانشون، وبقية أحزاب الطيف السياسي الفرنسي بشأن الموقف من الحرب في أوكرانيا واستراتيجية الدفاع الأوروبي، في وقت تشهد فيه أوروبا تحديات أمنية متزايدة بعد تولي دونالد ترامب منصب الرئاسة الأمريكية.

كارثة وشيكة

يعارض ميلانشون بشدة فكرة تعزيز الدفاع الأوروبي المشترك، إذ صرح بأن "بناء اقتصاد حربي وأوروبا دفاعية كقاعدة جديدة للاتحاد الأوروبي هو كارثة وشيكة"، وفقًا لصحيفة "لوموند" الفرنسية.

ودعَّم هذا الموقف منسق حزبه مانويل بومبار الذي طالب بـ"سياسة نزع سلاح لجميع الأطراف"، في محاولة لمساواة روسيا وأوكرانيا.

وفي مدونة نشرها "ميلانشون" بعنوان "إذا كنت تريد السلام، نظمه"، طرح رؤيته لكيفية إدارة الأزمة الأوكرانية لو كان يحكم فرنسا، مؤكدًا ضرورة الخروج من الناتو وعدم الانخراط في استراتيجية دفاعية أوروبية مشتركة، وهو موقف يتشابه مع موقف حزب "التجمع الوطني" اليميني المتطرف.

مفهوم "عدم الانحياز"

يتمسك ميلانشون بمبدأ "عدم الانحياز" في السياسة الخارجية الفرنسية، فيما حاول "بومبار" التمييز بين موقف حزبه واليمين المتطرف قائلًا: "عدم الانحياز يعني لا ترامب ولا بوتين، بينما التجمع الوطني يعني ترامب وبوتين معًا".

غير أن الخبراء يشككون في جدوى هذا المفهوم في عالم اليوم، إذ نقلت لوموند عن فريدريك ساويكي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة باريس، تأكيده أن "مصطلح عدم الانحياز كان له معنى في الخمسينيات أو السبعينيات، قبل سقوط الإمبراطورية السوفييتية.. لكن في الوقت الحاضر، المصطلح لم يعد يعني شيئًا".

ويثير هذا الموقف تساؤلات حول الشركاء المحتملين لفرنسا في حال استبعاد أوروبا والناتو، وهي نقطة يتجنب ميلانشون توضيحها، مكتفيًا بالحديث عن "دبلوماسية مناهضة للعولمة" قد تؤدي إلى إيجاد شركاء حول "قضايا مشتركة"، دون الالتزام بتعاون عسكري دائم.

موقف اليسار المعارض

في المقابل، يتبنى الاشتراكيون والخضر مواقف مغايرة تمامًا، إذ يدعون إلى تعزيز قدرات أوروبا الدفاعية المستقلة.

وانتقد زعيم حزب "المكان العام" رافاييل جلوكسمان، موقف ميلانشون بشدة، واصفًا إياه بـ"الاستسلامي" الذي يصل إلى حد "الاستسلام" أمام روسيا.

كما اعتبر النائب الأوروبي عن حزب الخضر دافيد كورماند أن هناك "تنافرًا متزايدًا مع الواقع" في مواقف ميلانشون، مضيفًا أن "الموقف الحالي يعطي الحق لأولئك الذين يدافعون منذ فترة طويلة عن الفيدرالية الأوروبية".

اقتراح يثير الجدل

من أكثر الأفكار إثارة للجدل التي طرحها ميلانشون فكرة عقد "مؤتمر للحدود" لإعادة النظر في ترسيم الحدود التي وُضِعت بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

ويزعم أن هذا النهج سيكون "وسيلة وقائية للتعامل مع النزاعات القائمة"، مشيرًا إلى جورجيا ومولدوفا كأمثلة على أقاليم تتنازع عليها روسيا مع أوروبا.

وعلَّق كورماند على هذه الفكرة قائلًا إن "ميلانشون لم يتخل عن الطريقة التي تم بها تفكيك الكتلة السوفييتية"، معتبرًا أن هذا هو خطاب بوتين نفسه القائل بأن "ما تم توقيعه عند التفكيك كان تحت الإكراه، وبالتالي يجب مراجعته".

وأضاف أن الحدود هي نتيجة "تراكم ندوب" وأنه "بمجرد أن تكون على ما هي عليه، لا يمكن التلاعب بها"، محذرًا من خطورة إعادة فتح ملف الحدود الدولية.

تأثيرات محتملة

تشير الصحيفة الفرنسي الى أن هذه المواقف تكتسب أهمية خاصة في ظل التحولات الدولية الكبرى، وخاصة مع تولي دونالد ترامب الرئاسة الأمريكية، والمخاوف من تراجع الدعم الأمريكي لأوكرانيا والتحالف الغربي.

ويشير المحللون إلى أن مواقف ميلانشون قد تلقى قبولًا لدى شريحة من الفرنسيين المتأثرين بالتضخم والأزمة الاقتصادية، والذين يترددون في تحمل مزيد من الأعباء لدعم أوكرانيا أو تقوية القدرات العسكرية الأوروبية.

وذكرت "لوموند" أن عالم السياسة ريمي لوفيفر يرى أن الفرنسيين ينَمّون "عدم ثقة تجاه النخب"، متسائلاً: "هل سيؤيد الرأي العام الدفاع الأوروبي؟ هذا ليس مؤكداً على الإطلاق. لذلك ميلانشون يتوخى الحذر".

وتعكس هذه المواقف المتباينة عمق الانقسام داخل اليسار الفرنسي، وهو ما قد يؤثر سلبًا على فرصه في الاستحقاقات الانتخابية المقبلة، خاصة مع تزايد الاستقطاب السياسي في فرنسا وأوروبا في مواجهة التحديات الجيوسياسية المتصاعدة.