يعكس توقيت قمة فلسطين غير العادية ومستوى التمثيل الرفيع لعدد من القادة والزعماء العرب دلالة محورية على خطورة اللحظة الراهنة، التي تواجه فيها الأمة العربية مخاطر تصفية القضية الفلسطينية مع تعاظم التحديات والتهديدات، التي تعصف بمنظومة الأمن القومي العربي وحالة الاستقرار الإقليمي التي باتت على المحك، في ظل التصعيد الإسرائيلي بغزة والضفة الغربية وجنوب لبنان وجنوب سوريا.
وعكست كلمات قادة ورؤساء وفود الدول العربية والمنظمات الإقليمية والدولية المشاركة في أعمال القمة، الحرص على تأييد تحرك دبلوماسي شامل لحشد الدعم والتأييد والمشاركة الفعلية في جهود إعادة إعمار قطاع غزة وإحياء مسار السلام العادل.
محددات مهمة
رغم أن العنوان الأساسي للقمة يتضمن بندًا إنسانيًا وهو إعادة إعمار قطاع غزة، إلا أن جدول أعمال القمة وكلمات القادة ورؤساء الوفود يغلب عليها الحديث عن الأبعاد السياسية والأمنية والضمانات اللازمة لتنفيذ عملية إعادة إعمار شاملة وإعادة إحياء عملية السلام.
ويمكن إبراز دلالات القمة على النحو التالي:
(*) مستوى الحضور: شهدت القمة حضور 16 دولة على مستوى القيادة بينهم رؤساء مصر والعراق وسوريا ولبنان والسودان وليبيا واليمن وموريتانيا وجزر القمر وجيبوتي وملكا الأردن والبحرين وأمير قطر وولي العهد الكويتي ونائب رئيس دولة الإمارات إلى جانب رئيس وزراء الصومال، بينما حضر وزراء خارجية كل من السعودية وسلطنة عُمان والجزائر والمغرب وتونس.
وحرصت مصر باعتبارها الدولة المستضيفة على دعوة قادة وأمناء المنظمات الإقليمية والدولية الشريكة في مسار إحلال السلام وإنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، على رأسهم أمين عام منظمة الأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، وأمين عام منظمة التعاون الإسلامي حسين إبراهيم طه، ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، ورئيس الاتحاد الإفريقي الرئيس الأنجولي جواو لورنسو.
ولا ينفصل ذلك الحضور عن دور الجامعة العربية والدول الرئيسية في المنطقة للدفع بإنهاء الحرب الإسرائيلية على غزة وتطبيق حل الدولتين في ظل اللجنة الوزارية العربية الإسلامية، التي تمخضت عن القمة العربية الإسلامية الاستثنائية، 11 نوفمبر 2023، والتحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين الذي تقوده المملكة العربية السعودية، واستضافت مصر اجتماعه الرابع منتصف فبراير 2025.
(*) قضايا القمة وكلمات القادة: تضمنت كلمات القادة الخطوط العريضة لتنفيذ وقف مستدام لإطلاق النار في غزة وتمهيد الطريق لحل سياسي في إطار مقررات الشرعية الدولية لإقامة الدولة الفلسطينية جنبًا إلى جنب مع إسرائيل، أولها: الإشادة بالجهود المصرية القطرية الأمريكية في التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة ودعم استكمال المرحلتين الثانية والثالثة من الاتفاق وعدم العودة للقتال مرة أخرى والرفض الكامل لمخططات وأفكار تهجير الفلسطينيين من أرضهم "طوعًا" أو "قسرًا"، مؤكدين ألا سلام في الشرق الأوسط دون إقامة دولة فلسطينية.
وتطرقت كلمات ومداخلات القادة لضرورة بناء عملية سياسية ضمن إطار وطني فلسطيني تحت إدارة السلطة الوطنية ودعم وإشراف المجتمع الدولي، بالتوازي مع الإصلاح الهيكلي و"تجديد دماء منظمة التحرير الفلسطينية"، في إطار الخطة المصرية العربية ورؤية القيادة الفلسطينية لمجريات المرحلة المقبلة.
وتناولت كلمات قادة الدول العربية التحركات العسكرية الإسرائيلية في الأراضي المحتلة واستمرار التوسع الاستيطاني بالضفة، كما حذّر الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، بصورة واضحة من مغبة استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على المسجد الأقصى المبارك والمساس بالوضع القائم فيه، مؤكدًا أن "القدس ليست مجرد مدينة.. بل هي رمز لهويتنا وقضيتنا".
وتناولت القمة تطورات العملية الإنسانية في قطاع غزة على وقف إيقاف دخول المساعدات وتقويض عمل وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "أونروا"، مُحذرين من خطورة استئناف العمليات العدائية على الوضع الإنساني المتردي في القطاع والضفة الغربية، مع الدعوة لتدشين صندوق دولي لرعاية أيتام غزة ضحايا العدوان الإسرائيلي "الذين يناهز عددهم نحو 40 ألف طفل، تقديم العون وتركيب الأطراف الصناعية لآلاف من المصابين، لا سيما الأطفال الذين فقدوا أطرافهم"، حسب البيان الختامي.
(*) اعتماد الخطة المصرية: اعتمدت القمة بالإجماع الخطة المصرية المتكاملة بشأن التعافي المبكر وإعادة إعمار قطاع غزة، التي تقدمت بها جمهورية مصر العربية، ما يعطي دفعة مهمة لحشد الدعم الدبلوماسي لمسار إعادة الإعمار مع بقاء الفلسطينيين على أراضيهم، في إطار المؤتمر الدولي لدعم التعافي المبكر وإعادة الإعمار، الذي تعتزم القاهرة استضافته أبريل المقبل، وتدشين صندوق لهذا الغرض وجهود المجموعة الوزارية العربية الإسلامية لتعزيز تأييد عواصم القرار الدولي لتلك الخطة وعلى رأسها واشنطن، بالتوازي مع التقدم في المسار السياسي في إطار المؤتمر الدولي لتسوية القضية الفلسطينية برعاية السعودية وفرنسا، الذي من المقرر عقده في نيويورك، منتصف العام الجاري.
ضمانات واجبة
تشمل الضمانات المتبادلة للفلسطينيين والإسرائيليين ما يلي:
(&) الضمانات الأمنية: أشار البند 11 من البيان الختامي إلى مطالبة مجلس الأمن الدولي بنشر قوات دولية لحفظ السلام في الأراضي الفلسطينية بما يضمن تحقيق الأمن للشعبين الفلسطيني والإسرائيلي والحفاظ على مكتسبات المسار السياسي لحل الصراع على أساس حل الدولتين. كما تضمن البيان الختامي إقرار المقترح الأردني المصري لتدريب كوادر الشرطة الفلسطينية لأداء مهامها في قطاع غزة، وإيلاء مسؤولية نزع السلاح للمؤسسات الشرعية الفلسطينية وفق مبدأ "القانون الواحد والسلاح الشرعي الواحد".
(&) الدور الأمريكي: تعول القمة العربية على دور الإدارة الأمريكية الحالية في إيجاد تسوية شاملة للصراع تضمن إقامة الدولة الفلسطينية، من خلال دورها في التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بغزة، بالتعاون مع الوسيطين المصري والقطري. ويكمن الدور الأمريكي المأمول في دفع الحكومة الإسرائيلية لاستكمال اتفاق وقف إطلاق النار في غزة ودعم تحقيق هدوء مستدام في الضفة الغربية، وصولًا لإقامة الدولة الفلسطينية على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
وإجمالًا؛ إلى جانب معالجة الوضع الداخلي الفلسطيني وإعادة إعمار قطاع غزة، تناولت القمة في وثائقها ومداخلات القادة عددًا من التحديات التي تعترض مسار السلام الشامل في الشرق الأوسط وتهدد "حل الدولتين" وقدمت حلولًا ومقترحات بشأنها. ويتوقف تحريك المشهد وإعادة بناء مسار السلام في الشرق الأوسط على مدى استجابة الإدارة الأمريكية مع الخطة العربية لإعادة الإعمار أولًا، وإقامة الدولة الفلسطينية ثانيًا. وعلى الرغم من ردود الفعل الإسرائيلية السلبية لحكومة اليمين المتطرف تجاه مخرجات القمة والاستمرار المتوقع في تصعيد الأعمال العدائية في الأراضي الفلسطينية، إلا أن التزامًا أمريكيًا بالسلام العادل قد يكفل تحقيق تهدئة الأوضاع بالأراضي المحتلة في الوقت الراهن، وهو ما يتطلب جهدًا مكثفًا لمعالجة المخاوف الأمنية جنبًا إلى جانب مع تعزيز التحرك الدولي لمواجهة السلوك العدواني لحكومة اليمين المتطرف في إسرائيل.