تشهد فرنسا أزمة سياسية غير مسبوقة في مطلع عام 2025، إذ يواجه الرئيس إيمانويل ماكرون، تحديات متعددة تهدد مستقبله السياسي، تتمثل في تراجع شعبيته بشكل دراماتيكي، وصراعات متصاعدة مع رئيس وزرائه الجديد فرانسوا بايرو حول الصلاحيات، في وقت تتزايد فيه المطالب الشعبية باستقالته.
أزمة الثقة والشرعية
كشفت استطلاعات الرأي الأخيرة عن تدهور غير مسبوق في شعبية الرئيس الفرنسي، إذ أظهر استطلاع أجراه معهد "أودوكسا"، أن 61% من الفرنسيين يطالبون باستقالة ماكرون، بزيادة ملحوظة بلغت 7 نقاط مقارنة بشهر سبتمبر الماضي.
وتعمقت أزمة الثقة بشكل كبير بعد فشل محاولة حل البرلمان وتعيين رؤساء وزراء من أحزاب أقلية في الجمعية الوطنية، بحسب صحيفة "إكسبريس" الفرنسية.
وتنقل الصحيفة الفرنسية، عن محللين سياسيين قولهم إن هذه الخطوات قوضت بشكل كامل صورة ماكرون كحصن ديمقراطي في مواجهة التيار اليميني المتطرف. وأضافت: أن المؤشرات تكشف عن أزمة ثقة عميقة، حيث يرى 71% من الفرنسيين أن تصرفات رئيسهم تثير قلقهم، في حين يعتقد 65% منهم أنه لا يلتزم بالقيم الديمقراطية.
وتشير الصحيفة إلى أن هذه الأرقام المقلقة تعكس حالة من الانفصال المتزايد بين قصر الإليزيه والشارع الفرنسي، وتآكل خطير في شرعية الرئيس السياسية.
صراع السُلطات
وسلطت الصحيفة الضوء على الصراع الذي يتعمق بشكل مُتزايد على السلطة بين ماكرون ورئيس وزرائه الجديد فرانسوا بايرو، إذ ظهر ذلك جليًا في خطاب ماكرون بمناسبة رأس السنة حين أكد أنه سيشرف شخصيًا على السياسات الاقتصادية والمالية للبلاد، في تجاوز واضح للمادة 20 من الدستور التي تمنح الحكومة صلاحية تحديد وتنفيذ سياسات الدولة.
وتُشير المصادر التي نقلت عنها الصحيفة الفرنسية إلى أن بايرو، الذي تولى منصبه مؤخرًا، نصح ماكرون خلال لقاء جمعهما في 11 يونيو 2024 بضرورة التزام الصمت خلال الحملة الانتخابية التشريعية. لكن يبدو أن النصيحة لم تجد آذانًا مصغية، حيث يواصل الرئيس التدخل في مجالات تعتبر تقليديًا من اختصاص رئيس الوزراء.
المعركة الاقتصادية
وفي سياق متصل، تكشف إكسبريس عن تفاصيل جديدة حول الصراع المحتدم على السياسة الاقتصادية، إذ أثار تعيين إريك لومبارد، الرئيس السابق لصندوق الودائع والأمانات، في وزارة الاقتصاد، جدلًا واسعًا حول توازنات القوى في الحكومة.
ويبدو أن العلاقة القوية التي تربط لومبارد ببايرو، والتي تعود إلى حملة 2007 الرئاسية، قد تشكل محورًا قويًا في مواجهة النفوذ التقليدي لماكرون ومستشاره أليكسيس كولر.
وكانت الخلافات حول السياسة الضريبية، من أبرز نقاط التوتر في الحكومة السابقة برئاسة ميشيل بارنييه.
وتنقل الصحيفة عن مقربين من الرئيس قولهم إن ماكرون يرفض فكرة "التوحيد عبر الضرائب"، مُعتبرًا أنها تعطي إشارة سلبية للاقتصاد ولن تحقق العائدات المتوقعة.
تحديات 2025
ووفقًا لاستطلاع الرأي، يعتقد 86% من الفرنسيين أن ماكرون سيضطر لتعيين رئيس وزراء جديد خلال عام 2025، ما يعكس حالة عدم الاستقرار السياسي المتوقعة.
وتخلص الصحيفة إلى أن إصرار ماكرون على البقاء في الواجهة وتجاوز صلاحياته الدستورية، يضر بشكل مباشر بالاستقرار السياسي الذي تعهد بتحقيقه الصيف الماضي.
فكلما حاول الرئيس التدخل في صلاحيات الحكومة، زاد من إضعاف موقف رئيس الوزراء، وأعطى المعارضة فرصة أكبر لإسقاط الحكومة في محاولة للوصول إلى الرئيس نفسه.