رسمت أوكرانيا سلسلة من الخطوط الحمراء في الوقت الذي تحاول فيه الولايات المتحدة التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار مع روسيا، وفق ما أوردته صحيفة "ذي إندبندنت" البريطانية.
وذكرت الصحيفة، أنه بعد 3 سنوات من الحرب، ينتظر العالم ليرى ما إذا كانت الخطة التي مدتها 30 يومًا، والتي وافق عليها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الثلاثاء الماضي، ستجد أرضية مشتركة مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين.
وحسب الصحيفة، حذَّرت مصادر أوكرانية رفيعة المستوى مطلعة على المحادثات الجارية من الثقة في أن روسيا ستقبل صفقة معقولة ضئيلة، مضيفة: "نتوقع خدعة أخرى".
ورغم أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وصف المحادثات مع روسيا بأنها "جيدة وبناءة" أمس الجمعة، تعرض بوتين للاتهام باستخدام تكتيكات المماطلة من خلال إثارة "الفروق الدقيقة" والمزيد من الأسئلة، فضلًا عن الإشارة إلى أنه لن يسمح لأوكرانيا بإعادة التسلح أو التعبئة أو تلقي المساعدات العسكرية الغربية أثناء الهدنة.
لكن من المفهوم أن أوكرانيا واضحة في عدة مجالات رئيسية للتفاوض، إذا أُريد للحرب أن تتوقف، وتشمل هذه المجالات، لن يتم التنازل عن المزيد من الأراضي، على الرغم من رغبة بوتين في الاستيلاء على أربع مناطق أوكرانية تحت سيطرة الجيش الروسي منذ عام 2014، وعودة آلاف الأطفال الأوكرانيين المختطفين من قبل روسيا، وعودة آلاف المدنيين المحتجزين بشكل غير قانوني من قبل روسيا، والذين لا يُعتبرون أسرى حرب، وبالتالي لن يتم تضمينهم في عمليات تبادل أسرى الحرب، والحاجة إلى ضمانات أمنية دولية في حال انتهاك بوتين لأي اتفاق لوقف إطلاق النار.
وحسب "ذي إندبندنت"، يشعر المسؤولون الأوكرانيون بالقلق من أن تكون مماطلة روسيا مجرد "لعبة من جانبهم"، ونقلت عن مصدر وصفته الصحيفة بالرفيع: "نحن راغبون حقًا في تحقيق السلام، لكننا نحتاج إلى سلام دائم، وليس وقف إطلاق نار قصير الأمد.. لا نريد أن يخوض أبناؤنا هذه المعركة".
قال المصدر: "بوتين يمارس الألاعيب.. اتخذنا خطوة حاسمة، والآن جاء دوره.. أثبتنا أننا عقلانيون، ونحن مستعدون للسلام، وإن لم توافق روسيا، فسيرى العالم أجمع أنهم كاذبون".
وتتمثل إحدى نقاط الخلاف الرئيسية في عودة عشرات الآلاف من الأطفال، الذين تقول أوكرانيا إنهم نُقِلوا إلى روسيا كجزء من الجهود الرامية إلى محو هُوية البلاد.
وتزعم كييف أنها تعلم بوجود ما لا يقل عن 20 ألف طفل تم نقلهم إلى روسيا أو الأراضي التي تسيطر عليها موسكو، دون موافقة عائلاتهم أو الأوصياء عليهم منذ بدء الحرب، ووصفت عمليات الاختطاف بأنها جريمة حرب تتطابق مع تعريف معاهدة الأمم المتحدة للإبادة الجماعية.
وتتمثل قضية أخرى في مطالبة بوتين بأن تتنازل أوكرانيا في أي اتفاق عن كامل خيرسون وزابوريجيا ودونيتسك ولوجانسك، التي يسيطر عليها الجيش الروسي جزئيًا منذ عام 2014. وفي الأشهر عقب بدء الحرب في 2022، ضمت موسكو هذه المناطق من خلال إجراء استفتاءات في المناطق التي سيطرت عليها.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن هناك حديثًا عن تنازلات إقليمية في المفاوضات مع أوكرانيا هذا الأسبوع، وكان قال في وقت سابق إن كييف يجب أن تتوقع التنازل عن الأرض.
وقال مسؤولون أوكرانيون لـ"ذي إندبندنت"، إنهم تصالحوا مع تجميد خطوط المعركة الحالية، مع احتفاظ روسيا ببعض الأراضي في الوقت الحالي حتى ينجح وقف إطلاق النار، لكن التنازل عن أي أراض إضافية سيكون خطًا أحمر.
وصرح المسؤولون: "ليس من المعقول أن نطالب بتسليم زابوريجيا أو خيرسون بالكامل، على سبيل المثال، فهذا يبدو لنا أمرًا غير مقبول". وأكدوا أن مصير هذه الأراضي التي سيطرت عليها روسيا منذ بدء الحرب في 2022 لم يحسم بعد، وأضافوا: "سنبذل قصارى جهدنا لاستعادتها بالدبلوماسية".
وفي مؤتمره الصحفي أمس الأول الخميس، قال بوتين إن روسيا تؤيد فكرة وقف إطلاق النار، ولكن بشرط أن يؤدي ذلك إلى سلام طويل الأمد، والقضاء على الأسباب الجذرية للصراع، وأشار أيضًا إلى وجود عدد من "الفروق الدقيقة"، بما في ذلك في كورسك، حيث ستكون الهدنة "جيدة للغاية" بالنسبة للجانب الأوكراني.
وقال الكرملين، في وقت لاحق، إن بوتين كان "متفائلًا بحذر" بعد إجراء محادثات في وقت متأخر من الليل في موسكو مع ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب، بشأن الاقتراح الأمريكي.
وأكد ميخايلو بودولياك، المستشار الكبير لزيلينسكي، عدم الثقة في بوتين، قائلًا إن كلماته تبدو وكأنها "رغبة مباشرة في مواصلة الحرب".
وقال إن ذلك أجبر أوكرانيا فعليًا على "التخلي عن أسلحتها وجيشها وتعبئتها وإمداداتها من المعدات، ومشاهدة الروس في صمت وهم يواصلون إطلاق النار سلميًا على طول خط المواجهة بأكمله".
وأمس الجمعة، قال زيلينسكي إنه رغم رؤيته فرصة جيدة لإنهاء الحرب مع روسيا، إلا أنه يخشى أن يحاول بوتين جرَّ اقتراح وقف إطلاق النار إلى نقاشات لا نهاية لها، وحثَّ الولايات المتحدة وحلفاء أوكرانيا الآخرين على الضغط على روسيا.
فيما حذرت دول مجموعة السبع، بما في ذلك المملكة المتحدة، موسكو من أنها ستحذو حذو كييف في الموافقة على وقف إطلاق النار الذي اقترحته الولايات المتحدة لمدة 30 يومًا أو ستواجه عقوبات أخرى، وفقًا لمسودة بيان.
وحث ترامب روسيا مجددًا على التوقيع على "اتفاق وقف إطلاق النار والاتفاق النهائي" واستكماله، قائلًا على منصته الخاصة للتواصل الاجتماعي، أمس، إنه سيخرج الولايات المتحدة ما وصفه بـ"الفوضى الحقيقية مع روسيا".
وتشير" ذي إندبندنت" إلى وجود مخاوف عميقة في أوكرانيا، بشأن تأثير وقف إطلاق النار وتجميد الحدود على مصير عشرات الآلاف من الأطفال الأوكرانيين، الذين تم نقلهم إلى روسيا مع بداية الحرب في 2022. ومن بين المطالب الرئيسية للاتفاق استعادة هؤلاء الأطفال ووقف سياسات "الترويس"، بما في ذلك التبني القسري لجوازات السفر ومعسكرات إعادة التأهيل.
كشفت وزارة الدفاع البريطانية، هذا الأسبوع، أن روسيا أصدرت 3.5 مليون جواز سفر لأوكرانيين يعيشون في أراضٍ تحت سيطرتها، ما يجعلهم عرضة لخطر التجنيد في جيشها.
وقال ميكولا كوليبا من منظمة "أنقذوا أوكرانيا"، التي تمكنت من تحديد مكان أكثر من 600 طفل واستعادتهم منذ بدء الحرب، بما في ذلك ثلاثة مراهقين في الأسبوع الماضي: "بينما تقاتل أوكرانيا من أجل البقاء، تبني روسيا جيشها ليس فقط بالجنود ولكن أيضًا بالأطفال المسروقين".
ولفتت" ذي إندبندنت" إلى أنه على مدى السنوات الـ11 الماضية، تعرض مليون و600 ألف طفل أوكراني للحصار في الأراضي التي سيطرت عليها روسيا، وأُجبر الكثير منهم على الذهاب إلى روسيا، حيث تمحى هويتهم الأوكرانية، وتمتلئ عقولهم بالكراهية تجاه الغرب والولايات المتحدة، وفق الصحيفة.
كما يشعر المجتمع المدني الأوكراني بالقلق إزاء أسرى الحرب والمدنيين الأوكرانيين المعتقلين في مراكز الاحتجاز الروسية.
وقال مركز الحريات المدنية، الذي فاز بجائزة نوبل للسلام عام 2022 عن عمله، إنه منذ بدء الحرب في فبراير 2022، يوجد ما لا يقل عن 8000 مدني في 70 مركز احتجاز روسي مختلف في روسيا والأراضي الأوكرانية تحت سيطرتها.
وقال فياتشيسلاف ليخاتشيف، من المركز، إن "إطلاق سراح المدنيين يجب أن يكون دون شروط كجزء من الاتفاق"، مضيفًا أن الهدنة هي إحدى الفرص الوحيدة لاستعادة الناس".
وأضاف: "لأكثر من ثلاث سنوات، لم يُجدِ أي جهد يُذكر في إجبار روسيا على إطلاق سراح المدنيين أو الالتزام بالقانون الإنساني الدولي.. لا ينبغي رفع أي عقوبات دون إطلاق سراح المدنيين".