كشفت صحيفة "ذا تليجراف" البريطانية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يتبع استراتيجية محددة بدقة في تعامله مع الأزمة الأوكرانية، وضعها الجنرال المتقاعد كيث كيلوج، مبعوثه الخاص إلى كييف، أبريل الماضي، وتتجلى هذه الاستراتيجية اليوم، في قطع المساعدات العسكرية عن أوكرانيا، وتوتر العلاقات مع الرئيس زيلينسكي، والتقارب الملحوظ مع موسكو.
مخطط معلن
نشر كيث كيلوج، خطته تحت عنوان "كيف قللت سياسة "أمريكا أولًا" الخارجية من المخاطر الروسية خلال إدارة ترامب"، وتتضمن الخطة تفاصيل دقيقة حول كيفية إجبار أوكرانيا على التفاوض من خلال قطع المساعدات العسكرية.
وتؤكد صحيفة "ذا تليجراف" أن هذه الخطة ليست سرية على الإطلاق، بل منشورة منذ صيف العام الماضي، وأن ما يحدث الآن هو تطبيق عملي لبنودها خطوة بخطوة.
تطبيق متساهل
تنص الخطة على ضرورة وجود "رئيس قوي وحاسم يقف في وجه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع سياسة خارجية أمريكية متماسكة وصارمة".
ويزعم ترامب أن هذا النهج هو ما منع بوتين من غزو أوكرانيا، خلال فترة رئاسته الأولى.
ومع ذلك، تُلاحظ "ذا تليجراف" أن طريقة تعامل ترامب الحالية مع نظيره الروسي تبدو بعيدة عن الحزم المعلن، فمنذ بدء محادثات السلام، عمل الرئيس الأمريكي على إعادة روسيا إلى مجموعة السبع، واستخدم حق النقض ضد البيانات الدولية التي تلوم روسيا على الحرب، ورفض فرض أي تكلفة على بوتين مقابل زيادة الضربات ضد المدن الأوكرانية.
وقف القتال
تشير الصحيفة البريطانية إلى أن خطة كيلوج تنص على "سياسة أمريكية رسمية تسعى إلى وقف إطلاق النار وتسوية تفاوضية للصراع الأوكراني"، مع ربط المساعدة العسكرية المستقبلية بمشاركة أوكرانيا في محادثات السلام مع روسيا، وهذا بالضبط ما تحقق على أرض الواقع.
وبدأ ترامب محادثات سلام مع بوتين ثم دعا زيلينسكي إلى الطاولة، لكن العلاقات تدهورت بعد مشادة في المكتب البيضاوي انتهت باتهام الرئيس الأمريكي لنظيره الأوكراني بعدم الاستعداد لإنهاء الحرب.
وفي أعقاب ذلك، أوقفت الولايات المتحدة شحنات الأسلحة وتوقفت عن مشاركة المعلومات الاستخباراتية، في خطوة وصفها كيلوج نفسه بأنها تشبه "ضرب بغل بلوح خشبي على أنفه".
التضحية بطموحات الناتو
دعت خطة كيلوج إلى "تأجيل عضوية أوكرانيا في الناتو لفترة طويلة مقابل صفقة سلام شاملة"، وهو ما تحقق فعليًا قبل أن تبدأ المفاوضات.
وصرّح وزير الدفاع الأمريكي بيت هيجسيث، في اجتماع للناتو، بأن "الولايات المتحدة لا تعتقد أن عضوية الناتو لأوكرانيا هي نتيجة واقعية لتسوية تفاوضية"، وبعد ساعات، أعلن ترامب بدء محادثات سلام مع بوتين.
وتنص الخطة على أنه "لن يُطلب من أوكرانيا التخلي عن هدف استعادة جميع أراضيها، لكنها ستوافق على استخدام الدبلوماسية وليس القوة".
وهذا أيضًا يتحقق حاليًا، إذ صرّح مسؤولون أمريكيون بأن على أوكرانيا التنازل عن أراضٍ لروسيا كثمن للسلام، بينما تسيطر روسيا حاليًا على نحو 20% من أوكرانيا.
العقوبات والضرائب
تعهدت الخطة بأن "الولايات المتحدة وحلفاءها سيرفعون العقوبات عن روسيا بالكامل ويطبعون العلاقات فقط بعد توقيعها على اتفاقية سلام مقبولة لأوكرانيا".
لكن في الواقع، تشير "ذا تليجراف" إلى أن المسؤولين الأمريكيين يحثون الحلفاء بالفعل على وضع خطط لتخفيف العقوبات بمجرد توقف القتال.
ودعت الخطة إلى "فرض ضرائب على مبيعات الطاقة الروسية لدفع تكاليف إعادة إعمار أوكرانيا"، ومع أن ترامب قال إنه "يدرس بقوة" فرض عقوبات جديدة، إلا أنه لا توجد علامات على تنفيذ هذه التدابير، بل اعترف الرئيس الأمريكي بأنه وجد أنه "من الأسهل" التعامل مع روسيا، قائلًا: "أنا أصدقه.. أجد أنه من الصعب التعامل مع أوكرانيا بصراحة وليس لديهم الأوراق".
الأمن المستقبلي
تضمنت خطة كيلوج "تأسيس هيكل أمني طويل المدى للدفاع عن أوكرانيا يركز على الأمن الثنائي"، وهو ما يعتبره الكثيرون وعدًا بتسليح أوكرانيا بشكل كامل إذا فشلت روسيا في الالتزام بشروط أي اتفاق، لكن هذه الضمانات لم تقدم لأوكرانيا من واشنطن.
وكان جزء كبير من خلاف زيلينسكي مع ترامب إصرار أوكرانيا على عدم مناقشة السلام إلا بعد تقديم وعود أمنية ملموسة، إلا أن الأمريكيين يريدون التخلص من هذه الضمانات، تاركين الأوروبيين وكندًا يتحملون العبء.
ونتيجة لذلك، يطرح زيلينسكي الآن وقفًا جزئيًا لإطلاق النار، من شأنه أن يوقف الضربات بعيدة المدى مع الإبقاء على المناوشات في خط المواجهة، في محاولة لإظهار الحاجة للضمانات الأمريكية، إذ يعتقد في كييف أن بوتين سينتهك شروط أي اتفاق.
ثمن باهظ للسلام
تكشف استراتيجية ترامب كما نشرتها "ذا تليجراف" عن نهج محكم وضعه فريقه منذ أشهر طويلة للتعامل مع الأزمة الأوكرانية، وهي خطة تتحقق الآن بتفاصيلها المختلفة.
وبينما يبدو أن الطريق نحو السلام قد بدأ، فإن الثمن المطلوب من أوكرانيا يظل باهظًا، وهو التنازل عن أراضٍ واسعة، والتخلي عن حلم عضوية الناتو، والقبول بضمانات أمنية محدودة.