في ظل التوترات السياسية والاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، يتزايد اهتمام المستثمرين الصينيين بإمبراطورية إيلون ماسك التكنولوجية، ووفقًا لتقرير نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، فإن مستثمرين أثرياء من الصين يقومون بضخ عشرات الملايين من الدولارات بهدوء في شركات ماسك الخاصة، مستخدمين هياكل استثمارية غامضة تحجب هوياتهم عن الرأي العام.
هذا التدفق المالي يثير تساؤلات حول مدى تأثير المال الصيني على الشركات التي يمتلكها ماسك، وسط علاقته المتشابكة بالسياسة الأمريكية.
استثمارات صينية سرية
تشير مصادر "فايننشال تايمز" إلى أن مستثمري الصين يستثمرون في شركات ماسك غير المدرجة في البورصة، مثل xAI وNeuralink وSpaceX، التي تُعد الأخيرة الشركة الخاصة الأعلى قيمة في العالم، ويتم ذلك عبر "مركبات ذات أغراض خاصة"، وهي أدوات استثمارية تتيح للمستثمرين إخفاء هوياتهم، مما يساعدهم على تجنب التدقيق الأمريكي المتزايد على رأس المال الصيني في ظل التوترات التجارية والجيوسياسية.
أهداف الاستثمار
يرى محللون أن استخدام هذه الآليات ليس غير قانوني، لكنه يثير مخاوف بشأن احتمالية التأثير السياسي والصناعي، وتساءل ديريك سكيسورز، الباحث في معهد "أمريكان إنتربرايز"، عن كيفية توازن ماسك بين مصالحه في الصين والتزاماته تجاه الحكومة الأمريكية، مشيرًا إلى أن استثمارات بكين في شركات ماسك قد تعزز فكرة أنه أكثر ولاءً لمصالحه التجارية في الصين من التزامه بالسياسة الأمريكية.
وعلى الرغم من أن الطبيعة المعقدة لهذه الاستثمارات تجعل من الصعب تحديد النطاق الدقيق لرأس المال الصيني المتدفق إلى شركات ماسك، إلا أن ثلاثة من مديري الأصول المدعومين من الصين أبلغوا "فايننشال تايمز" أنهم باعوا أسهمًا في SpaceX وxAI وNeuralink لمستثمرين صينيين بأكثر من 30 مليون دولار خلال العامين الماضيين. وقد جمعت "سبيس إكس" وحدها أكثر من 10 مليارات دولار منذ تأسيسها في عام 2002، وفقًا لمنصة PitchBook.
تحديات أمام المستثمرين الصينيين
رغم العلاقة القوية لماسك مع بكين، إلا أن القيود الأمريكية الصارمة تجعل من الصعب على الشركات الصينية الاستثمار المباشر في SpaceX، خاصة بسبب علاقاتها بالجيش الأمريكي.
ويقول كيفن تشين، كبير خبراء الاقتصاد في "هورايزون فاينانشال" في نيويورك، إن الأموال الصينية غير مرحب بها في العديد من القطاعات الاستراتيجية في الولايات المتحدة، ما يدفع المستثمرين لاستخدام أدوات استثمار بديلة.
جذب الأثرياء الصينيين
في الأربعاء الماضي، حضر مئات المستثمرين الصينيين ندوة عبر الإنترنت نظمتها "Homaer Financial"، وهي شركة لإدارة الأصول في شرق الصين، وخلال الجلسة، عرض ممثل الشركة فرصة للاستثمار في "سبيس إكس" بحد أدنى 200 ألف دولار للفرد، مع توقعات بأن تصل قيمة الشركة إلى 1.1 تريليون دولار في غضون ثلاث سنوات، مدعومة بتمويل مستمر من الحكومة والجيش الأمريكي.
وتزايد اهتمام الأثرياء الصينيين بمشاريع ماسك منذ إنشاء مصنع "تسلا" في شنغهاي عام 2019، وقد أتت هذه الاستثمارات المبكرة بثمارها، حيث أفادت "Homaer Financial" بأن بعض عملائها حققوا عوائد تصل إلى 530% على استثماراتهم في "سبيس إكس" عام 2018، ما عزّز ثقة المستثمرين الصينيين في مشاريع ماسك.
وفي السنوات الأخيرة، فرضت الحكومة الصينية قيودًا على القطاع الخاص، شملت إلغاء الطرح العام الأولي لشركة "آنت جروب" وتقييد شركة "ديدي جلوبال"، وهذه الإجراءات دفعت المستثمرين الصينيين إلى البحث عن فرص استثمار أكثر استقرارًا، مثل شركات ماسك التي واصلت نموها رغم التحديات الاقتصادية.
استراتيجيات جديدة
في عام 2021، تصدرت "Liu Group" الصينية عناوين الأخبار بعد إعلانها عن استثمار بقيمة 50 مليون دولار في "سبيس إكس" عبر صندوق "Tomales Bay Capital" الأمريكي، لكن الصفقة أُلغيت بعد أن أعربت "سبيس إكس" عن انزعاجها من الكشف العلني عن الحصة الصينية. كرد فعل، بدأ المستثمرون الصينيون في اللجوء إلى الشركات ذات الأغراض الخاصة لإخفاء ملكيتهم.
ويستخدم مديرو الأصول الصينيون هياكل استثمارية مسجلة في جزر كايمان، التي تستثمر في صناديق مقرها الولايات المتحدة تديرها شركات غربية، هذه الاستراتيجية تضمن عدم ظهور الأموال الصينية في السجلات العامة، كما تتطلب بعض العقود من المستثمرين الأمريكيين تصفية الأصول في حال نشوب صراع عسكري بين الولايات المتحدة والصين.
مخاطر مستقبلية
رغم أن هذه الآليات توفر قناة آمنة للاستثمار، إلا أن المستثمرين الصينيين يدركون المخاطر المرتبطة بتدهور العلاقات الأمريكية الصينية، ويقول أحد المسؤولين في "Homaer Financial" إن هناك قلقًا متزايدًا بشأن مدى سوء العلاقات بين البلدين في المستقبل، ما قد يؤثر على الاستثمارات القائمة.
ومع استمرار ضوابط رأس المال التي تفرضها بكين، يظل الاستثمار في شركات ماسك متاحًا فقط للنخبة الصينية التي تمتلك حسابات مصرفية خارج البلاد. ومع ذلك، يعمل مديرو الثروات على إيجاد طرق مبتكرة لتجاوز هذه القيود، مستفيدين من الطلب المرتفع على الاستثمارات التكنولوجية ذات العوائد العالية.