تعهد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو بعدم استخدام المادة 49.3 من الدستور لتمرير موازنة العام المقبل، في محاولة لكسب ثقة أحزاب المعارضة وتجنب انهيار حكومته، حسبما ذكرت صحيفة "بوليتيكو" الجمعة.
قطيعة مع الماضي
وصف ليكورنو قراره بأنه "قطيعة مع الماضي"، آملاً أن يفتح آفاقًا جديدة للتوافق حول خطة الإنفاق التي تهدف إلى معالجة العجز الضخم في الموازنة الفرنسية، إلا أن هذا التنازل المهم جاء دون المستوى المطلوب بالنسبة للحزب الاشتراكي، الشريك الأكثر ترجيحًا للتفاوض مع الحكومة الجديدة.
التقى قادة الحزب الاشتراكي مع ليكورنو يوم الجمعة، وأعربوا عن استيائهم رغم ترحيبهم بالخطوة، إذ اعتبر زعيم الحزب، أوليفييه فور، أن الموازنة المطروحة "غير كافية للغاية" و"مثيرة للقلق"، مطالبًا بضمانات واضحة بعدم منع إعادة فتح الجدل حول إصلاح نظام التقاعد المثير للجدل الذي رفع سن التقاعد الأدنى لمعظم العاملين قبل عامين.
وقال فور للصحفيين: "الأمر متروك لرئيس الوزراء ليخبرنا بالضمانات التي يستعد لتقديمها الآن".
من جهته، أبدى بوريس فالو، القيادي البارز في الحزب الاشتراكي، تشككه في تصريحات لإذاعة "فرانس إنفو" فور الإعلان، منوّهًا إلى أن ليكورنو لم يتخلَّ عن بنود دستورية أخرى تمنح الحكومة صلاحية قطع المناقشات البرلمانية.
سلاح ذو حدين
المادة 49.3 من الدستور الفرنسي تمنح الحكومة سلطة تمرير التشريعات دون تصويت برلماني، لكنها في المقابل تتيح لأحزاب المعارضة الرد بطرح مقترح حجب الثقة عن الحكومة، ما يضع مصيرها على المحك في كل مرة تُستخدم فيها هذه الآلية.
وبينما أشاد كثير من حلفاء ليكورنو بقراره، فإن التخلي عن هذا السلاح الدستوري سيعيق قدرته على تمرير أجندته التشريعية في برلمان معلق لا تملك فيه أي كتلة سياسية أغلبية واضحة.
والأخطر من ذلك أن جميع موازنات الحكومة الفرنسية منذ إعادة انتخاب الرئيس إيمانويل ماكرون عام 2022، إضافة إلى إصلاح المعاشات المثير للجدل، تم تمريرها قسرًا باستخدام هذه المادة الدستورية.
بل إن حكومة رئيس الوزراء السابق ميشيل بارنييه انهارت العام الماضي بعد محاولته توظيف المادة 49.3 لإقرار موازنته، ما يجعل الوضع الراهن بالغ الحساسية.
شروط اليمين المحافظ
لا تقتصر تحديات ليكورنو على الاشتراكيين فحسب، إذ يواجه أيضًا معارضة من اليمين المحافظ، حيث كان يأمل رئيس الوزراء في تكرار التجربة نفسها التي اعتمدها رئيسا الوزراء السابقان ميشيل بارنييه وفرانسوا بايرو، عبر تشكيل ائتلاف أقلية برلمانية يجمع بين الأحزاب الموالية للرئيس ماكرون وحزب "الجمهوريون" المحافظ.
كان ليكورنو يراهن، لكن برونو روتايو، رئيس حزب "الجمهوريون" ووزير الداخلية المنتهية ولايته، شكّك في مشاركة حزبه بالحكومة الجديدة التي من المتوقع أن يشكّلها ليكورنو خلال الأيام المقبلة.
وقال روتايو لصحيفة "لوفيجارو" المحافظة: "في هذه المرحلة، مشاركة اليمين في الحكومة ليست مؤكدة بأي حال من الأحوال".
وكان "الجمهوريون" قد قدموا اتفاق ائتلاف يتضمن مطالب بتشديد سياسة الهجرة، بحسب ما كشفته "بوليتيكو" في تقرير سابق.
يشمل الاتفاق المقترح منح روتايو، بصفته وزيرًا للداخلية، السيطرة الكاملة على إصدار التأشيرات والحد من حصول المهاجرين غير الشرعيين على الرعاية الطبية.
انتظار يسبق القرار النهائي
ذكر مسؤولان في حزب "الجمهوريون" لـ"بوليتيكو" أن روتايو أبلغ نواب حزبه، خلال اجتماع طارئ مساء الخميس، برغبته في الحصول على وثيقة تحدد التزامات ليكورنو قبل اتخاذ قرار نهائي بشأن انضمام الحزب للحكومة يوم الجمعة.
إلا أن ليكورنو أكد، الجمعة، أن الحكومة الجديدة ستحظى بدعم الأحزاب ذاتها التي ساندت الحكومة السابقة، بما فيها "الجمهوريون".