من جديد، تشعل "بيونج يانج" التوتر في شبه الجزيرة الكورية ومنطقة الهادئ، بإطلاق صاروخين باليستيين في المياه قبالة ساحلها الشرقي، وهو الإجراء الذي يثير المخاوف من نفاد الصبر الأمريكي تجاه استفزازات كوريا الشمالية.
جاء إطلاق الصاروخين بفارق زمني قدره 50 دقيقة، في أول تجربة من نوعها لكوريا الشمالية خلال شهر، وذلك بعد ثلاثة أيام من إعلان بيونج يانج أنها اختبرت "محركا عالي القوة يعمل بالوقود الصلب" لسلاح استراتيجي جديد لم تحدده، في تطور قد يسمح لها بامتلاك ترسانة من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات الأكثر قدرة على الحركة، والتي يصعب رصدها، والتي يمكن أن تصل إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة.
ردود فعل غاضبة من واشنطن وسول وطوكيو
التجربة الصاروخية الأخيرة أثارت استنكار كبار مسئولي الأمن في كوريا الجنوبية، وقالوا في اجتماع طارئ، إنها جاءت على الرغم من محنة مواطني الشطر الشمالى الذين يئنون من الجوع والبرد بسبب النقص الحاد في الغذاء. وقال مسئولو كوريا الجنوبية إن بلادهم ستعزز التعاون الأمني الثلاثي مع الولايات المتحدة واليابان، بحسب مكتب الرئاسة في كوريا الجنوبية.
اليابان انتقدت على لسان نائب وزير الدفاع توشيرو إينو، كوريا الشمالية لتهديدها سلامة طوكيو والمنطقة والمجتمع الدولي. فيما قالت القيادة الأمريكية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، إن عمليات الإطلاق تسلط الضوء على التأثير المزعزع للاستقرار لأسلحة الدمار الشامل غير المشروعة، وبرامج الصواريخ الباليستية الكورية الشمالية. وأضافت أن التزام الولايات المتحدة بالدفاع عن كوريا الجنوبية واليابان لا يزال متينًا.
تفاصيل إطلاق الصواريخ الأخيرة
وبخصوص تفاصيل عملية إطلاق الصواريخ الأخيرة، قال "كوون يونج سو" الأستاذ السابق في جامعة الدفاع الوطني الكورية في كوريا الجنوبية، إن الجارة الشمالية اختبرت على الأرجح صاروخ "بوكوكسونج – 2"، وهو نوع أرضي يعمل بالوقود الصلب، وهو أحد أفراد من عائلة "بوكوكسونج" التي يمكن إطلاقها من الغواصات.
أوضح "كوون" أن تفاصيل تحليق الصاروخين اللذين تم اختبارهما، اليوم الأحد، كانت مماثلة لتلك الخاصة باختبارين معروفين لصواريخ من نوع "بوكوكسونج – 2 " في عام 2017.
كما ذكر "كوون" أن الصاروخ "بوكوكسونج – 2" يمكنه التحليق لمسافة من 1200 إلى 2000 كيلومتر إذا تم إطلاقه في مسار طبيعي، وهو مدى يكفي لضرب المنشآت الرئيسية في اليابان، بما في ذلك المنشآت العسكرية الأمريكية هناك.
وفي الأشهر الأخيرة، أجرت كوريا الشمالية تجارب على إطلاق وابل من الصواريخ الباليستية ذات القدرة النووية، بما فيها إطلاق صاروخ الشهر الماضي طراز "هواسونج – 17" الأطول مدى، والذى يعمل بالوقود السائل والمصمم لحمل رؤوس حربية متعددة.
كوريا الشمالية أطلقت 80 صاروخًا العام الجارى
وتدافع كوريا الشمالية عن تجارب الأسلحة، وتعتبرها إجراءات للدفاع عن النفس للتعامل مع التدريبات العسكرية الموسعة بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، التي ترى أنها بمثابة استعداد للغزو.
لكن بعض الخبراء يقولون إن كوريا الشمالية ربما تستغل التدريبات العسكرية لخصومها كذريعة لتوسيع ترسانتها من الأسلحة، وزيادة نفوذها في أي مفاوضات مستقبلية محتملة مع الولايات المتحدة.
وخلال العام الجاري، أطلقت كوريا الشمالية ما يقرب من 80 صاروخًا في عداء متزايد للتدريبات العسكرية للولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان، ولإظهار قوتها أمام الصين وروسيا. كما أطلقت أكثر من 52 صاروخًا قصير وبعيد المدى منذ 25 سبتمبر (أيلول) الماضي حتى الآن.
وتنوعت صواريخ كوريا الشمالية ما بين الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى إلى العابرة للقارات، كما ضمت التجارب أيضًا صواريخ تفوق سرعتها سرعة الصوت، والتي يمكنها السفر بخمس مرات أو أكثر من سرعة الصوت.
بيونج يانج تمتلك ترسانة من الصواريخ الباليستية
وعلى الأرجح، يشير السلاح الذي قالت كوريا الشمالية إنه يمكن تصنيعه باستخدام المحرك الذي اختبرته مؤخرًا، إلى صاروخ باليستي عابر للقارات يعمل بالوقود الصلب، وهو من بين قائمة أنظمة أسلحة عالية التقنية، تعهد رئيس كوريا الشمالية "كيم جونج أون" بالحصول عليها خلال مؤتمر كبير للحزب الحاكم في أوائل العام الماضي.
وتشمل أنظمة الأسلحة الأخرى التي وعد "كيم" بتصنيعها، صاروخًا متعدد الرؤوس الحربية وصواريخ نووية تطلق من تحت الماء وأقمار تجسس. وتستخدم جميع الصواريخ الباليستية العابرة للقارات الموجودة حاليًا في كوريا الشمالية وقودًا سائلًا ينبغي إضافته إلى الأسلحة قبل إطلاقها. وهذا الأمر يسهل نسبيًا على الأطراف الخارجية رصد تجهيزات الإطلاق عبر الأقمار الاصطناعية.
لكن الوقود الصلب يتم تحميله فعليًا في الصواريخ من الداخل، لذا فهو يقصر أوقات الاستعداد للإطلاق، ويزيد من قدرتها على الحركة، ويجعل من الصعب على الأطراف الخارجية معرفة ما يحدث قبل الإطلاق.
وتمتلك كوريا الشمالية بالفعل ترسانة متنامية من الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، التي تعمل بالوقود الصلب والتي يمكن أن تستهدف مواقع رئيسية في كوريا الجنوبية، من ضمنها القواعد العسكرية الأمريكية هناك.
وردًا على تجارب كوريا الشمالية، وسّع الجيشان الكوري الجنوبي والأمريكي تدريباتهما المنتظمة، واستأنفا التدريبات الثلاثية مع اليابان.
تزايد المخاوف الأمنية في كوريا الجنوبية واليابان
لكن المخاوف الأمنية بشأن الأسلحة النووية لكوريا الشمالية ازدادت في جارتها الجنوبية واليابان، حيث هددت بيونج يانج بالاستخدام الوقائي للأسلحة النووية، وقيل إنها اتخذت خطوات لنشر صواريخ ذات قدرة نووية، وقصيرة المدى على طول حدودها مع كوريا الجنوبية واختبار إطلاق صاروخ فوق اليابان.
ومع ذلك، لا يزال الوضع الدقيق لقدرة الهجوم النووي لكوريا الشمالية سريًا. ويفترض بعض الخبراء أن كوريا الشمالية لديها بالفعل صواريخ تعمل برؤوس نووية يمكنها ضرب الولايات المتحدة وحليفتيها كوريا الجنوبية واليابان، بالنظر إلى عدد السنوات التي أمضتها في برنامجها النووي.
لكن يقول آخرون إن البلاد لا تزال أمامها سنوات من أجل الحصول على مثل هذه الأسلحة، مشيرين إلى أنها لم تثبت علنًا أن لديها تقنية لبناء رؤوس حربية صغيرة بما يكفي لوضعها على الصواريخ، أو حماية الرؤوس الحربية من الظروف القاسية لعودة الدخول في الغلاف الجوي.
ويعزو المحللون دوافع كوريا الشمالية، في تسريع وتيرة إطلاق الصواريخ الباليستية، إلى رغبة بيونج يانج في ممارسة ضغوط على الولايات المتحدة، خاصة في ظل علاقة واشنطن المضطربة مع الصين وروسيا، حيث تأمل بيونج يانج في تعزيز العلاقات مع بكين وموسكو.
ووفق كيم جونج-داى، المستشار السابق لوزارة الدفاع الكورية الجنوبية، فإن العالم يجب أن يقلق من المسار الذي تتخذه كوريا الشمالية، لافتا إلى أنها باتت ترد بشكل انتقامي، ولديها قدر كبير من الجرأة والعدوانية غير مسبوق، مشيرًا إلى أن الوضع هذه المرة مختلف، إذ إن كوريا الشمالية تتصرف باعتبارها دولة نووية.
كما يقول الخبير العسكرى الأمريكي بيتر أليكسي، إن الصواريخ التي تطلقها كوريا الشمالية تدعو إلى القلق، بينما يئن العالم بالفعل تحت وطأة الحرب الأوكرانية، أصبحت منطقة المحيط الهادئ على صفيح ساخن، وهو أمر قد تتصاعد معه الأمور، وينذر بخطر اندلاع حرب نووية إن أخطأ أحد الأطراف تقدير الموقف.