توتر جديد يشعل منطقة البلقان بأكملها، حيث شهدت الأيام الماضية تأجج الوضع في شمال إقليم كوسوفو والأقلية الصربية، وذلك عقب سعي سلطات الإقليم المنفصل، بتعزيز سلطتها بالمناطق الشمالية من خلال نشر قوات أمن إضافية استعدادًا للانتخابات في المدن والبلدات الشمالية التي تقطنها أغلبية صربية، على غرار مدينة ميتروفيتشا المقسمة عرقيًا بين الألبان والصرب.
وزاد الوضع احتقانًا عقب اعتقال شرطي صربي سابق متهم بالضلوع في هجمات على قوات الأمن ولجنة الانتخابات، ووجهت له تهم عدة، منها الإرهاب وانتهاك النظام الدستوري، وكان هذا الشرطي من بين 600 آخرين استقالوا من قوات الأمن في إطار احتجاجات على سعي الحكومة لإلزام الأقلية الصربية بالقوانين المحلية.
ومنذ الأسبوع الماضي، يغلق المواطنون الصربيون طرقًا تؤدي إلى المعبرين الحدوديين مع صربيا، باستخدام وسائل النقل الثقيلة، واستمر الإغلاق على الرغم من قرار فيوسا عثماني، رئيسة كوسوفو، تأجيل الانتخابات البلدية إلى أبريل (نيسان) 2023، وأيضًا مطالبات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو والولايات المتحدة برفع الحواجز ومطالبة رئيس وزراء كوسوفو ألبين كورتي قوات الناتو بالتدخل للسماح بعودة حركة التنقل عبر الحدود.
وتبادل الطرفان الاتهامات بالتسبب في الاضطرابات الجديدة، في حين دعت القوى الغربية وحلف الناتو إلى ضبط النفس وتجنب التصعيد.
البداية الغاضبة
في أغسطس (آب) الماضي، اندلعت أزمة شبيهة حين أعلنت حكومة برشتينا، عاصمة كوسوفو، عن سريان قانون يلزم الجميع، بمن فيهم المواطنين الصرب المقيمين في الإقليم، بالحصول على بطاقة هوية من إصدارها، وتغيير لوحات السيارات القادمة من صربيا المجاورة إلى لوحات من إصدار كوسوفو.
وتحت ضغط أمريكي وأوروبي، اضطرت حكومة رئيس وزراء كوسوفو ألبين كورتي لتعليق العمل بهذا القانون، بعد تأجج الموقف من المحتجين الصربيين.
ومنذ ذلك الحين بدأت الأمور تتصاعد مع الأقلية الصربية في كوسوفو والقوات الحكومية المركزية، وفي الأسبوع الماضي تجددت التوترات بين الطرفين بعد تعزيز حكومة برشتينا انتشارها الأمني في المناطق الشمالية قبيل الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها الأحد الماضي في 4 بلدات ذات غالبية صربية، قبل أن يتم الإعلان عن تأجيلها، وأغلق السكان الصرب مجددًا الطرقات، وبالتالي لم يعد متاحًا الوصول إلى المعبرين الحدوديين بين كوسوفو وصربيا.
وفي إطار الاحتجاجات المتجددة، أفادت سلطات كوسوفو بأن مسلحين أطلقوا النار على قواتها الأمنية، في حين أكدت بعثة الاتحاد الأوروبي لسيادة القانون في كوسوفو (EULEX) تعرض إحدى دورياتها لهجوم بقنبلة صوتية.
وانتهي الأمر باعتقال الشرطي الصربي واتهامه بالضلوع في هذا الهجوم، الأمر الذي جعل حلف الناتو يترقب بإمكانية تدخله لضبط الوضع وطالبت صربيا قوات حفظ السلام في الإقليم منحها الحق في إرسال ألف جندي وشرطي إلى كوسوفو على وقع تنامي التوتر في شمال الإقليم الانفصالي السابق.
وبررت رئيسة الوزراء الصربية، آنا برنابيتش، هذا الإجراء بأن قوة الناتو "أخفقت في حماية الصرب في شمال كوسوفو"، حيث يتحدث السكان عن انتهاكات يتعرضون لها من قبل قوات الأمن التابعة لكوسوفو، في حين تقول السلطات إن قواتها الأمنية تكافح فقط نشاط عصابات الجريمة في المناطق الشمالية.
وتقول بلجراد إن طلب نشر القوات سيكون بموجب القرار الأممي 1244 الذي ينص على أن لصربيا الحق في نشر ما يصل ألف عنصر من الجيش والشرطة ومسؤولي الجمارك بالمواقع الدينية للمسيحيين الأرثوذكس والمناطق ذات الأغلبية الصربية والمعابر الحدودية، إذا وافق على ذلك قائد قوات حفظ السلام التابعة للناتو في كوسوفو.
ولم يعلق الجنرال الإيطالي أنجيلو ميشيلي ريستوشيا، قائد قوة حفظ السلام KFOR)) في المنطقة المتوترة على الطلب الصربي بشكل مباشر، لكنه أكد أن قوته لا تزال قادرة على ضبط الوضع.
وقال في بيان نشره الحلف الأطلسي: "ننتظر من جميع الفرقاء أن ينسقوا في شكل واسع مع KFOR)) ، وأن يمتنعوا عن أي عرض قوة استفزازي بهدف ضمان أمن جميع المجموعات".
وأضاف أن "قوات حفظ السلام تتمتع بكل القدرات، بما في ذلك على صعيد العديد، لضمان بيئة آمنة ومؤمنة وحرية تحرك جميع المجموعات في كل أنحاء كوسوفو"، مشيرا إلى التفويض الممنوح لقوته من الأمم المتحدة.
من جهتها، أكدت فيوسا عثماني، رئيسة إقليم كوسوفو، أن أي جندي أو شرطي صربي لن يستطيع أن يطأ أراضي بلادها مرة أخرى.
وفي السياق نفسه، قالت سفارتا الولايات المتحدة في بلجراد وبريشتينا في بيان: "تعبر الولايات المتحدة عن قلقها العميق إزاء الوضع الحالي في شمال كوسوفو".
وأضافتا: "ندعو الجميع إلى ممارسة أقصى درجات ضبط النفس واتخاذ إجراءات فورية لتهدئة الموقف والامتناع عن الأعمال الاستفزازية".
أزمة كوسوفو وصربيا
في عام 2008 أعلن إقليم كوسوفو استقلاله عن صربيا في أعقاب حرب 1998-1999 التي تدخل فيها حلف شمال الأطلسي لحماية كوسوفو التي تقطنها أغلبية ألبانية.
ويقيم في إقليم كوسوفو نحو 50 ألف صربي (عدد سكان الإقليم 1.8 مليون نسمة) يتمركزون شمال الإقليم، ويرفضون سلطة كوسوفو ويريدون الانضمام إلى صربيا، ووفق بعض التقديرات كان الصرب يشكلون 10 في المئة من سكان كوسوفو قبل الحرب الدامية، التي دارت منذ عقدين وانتهت بعد تدخل حلف شمال الأطلنطي (الناتو) عسكريا ضد صربيا، وإجبارها على الانسحاب من المنطقة التي كانت جزءًا منها.
وتلقى الأقلية الصربية في شمال كوسوفو دعمًا قويًا من حكومة الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، التي تتعامل مع هؤلاء الصرب وكأنهم مواطنوها.
ورغم كون المسلمين أغلبية في كوسوفو بنسبة تزيد على 90 في المئة، ترى صربيا المنطقة مكانًا مقدسًا لتاريخ الصرب، نظرًا لوجود مقر الكنيسة الأرثوذكسية الصربية، ولكونها شهدت واقعتين تاريخيتين وثقت هزيمة الأتراك ضد الصرب عامي 1389 و1912.
وبمقتضى الاتفاقات التي تم التوصل إليها في السنوات الماضية بوساطات غربية، حصل الصرب على تمثيل في الحكومة والبرلمان والمؤسسات الأخرى في كوسوفو بما فيها المؤسسة الأمنية.
لكن ممثلي الأقلية الصربية بمن فيهم رؤساء البلديات قدموا استقالتهم نوفمبر (تشرين الثاني)، كما استقال نحو 600 عنصر صربي من الشرطة احتجاجا على القوانين التي حاولت السلطات فرضها لاستعادة سلطتها شبه المعدومة بالمناطق الشمالية، إذ يعتبر الصرب هذه القوانين تمييزًا ضدهم.
حرب جديدة
على مدار الأيام الماضية، تنامي في الاتحاد الأوروبي أن تصاعد التوتر في الإقليم المنفصل قد ينذر باندلاع حرب جديدة في وقت تشاهد فيها أوروبا أزمات متتالية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.
وصاحب أعمال العنف في شمال كوسوفو تصاعد في حرب كلامية بين برشتينا وبلجراد، مما زاد مخاوف أوروبا من تدهور الأوضاع.
وقال الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، الأحد الماضي، إن بلاده ستفعل كل ما في وسعها لضمان السلام، ولكنه أكد أن الجيش مستعد لحماية الأقلية الصربية في كوسوفو.
واتهمت رئيسة الوزراء الصربية آنا برنابيتش رئيس وزراء كوسوفو، ألبين كورتي، بوضع المنطقة على حافة حرب أخرى.
في المقابل، اتهم "كورتي" الحكومة الصربية بتمويل ما وصفها بـ"العصابات الإجرامية" في شمال كوسوفو والسعي للحرب، وقال إن إرسال صربيا قوات لبلاده سيكون عملًا عدوانيًا، ومؤشرًا على سعي بلجراد لزعزعة استقرار المنطقة.
أما قوات الناتو المكلفة بحماية كوسوفو، والتي تضم نحو 4 آلاف جندي، فهددت بالتدخل لمنع الخلاف من التصاعد إذا لزم الأمر.
وفي حين حذر الاتحاد الأوروبي من أن الإخفاق في حل الخلافات يمكن أن يؤدي لإحياء الصراع القديم بين صربيا وكوسوفو، أشار مفوض السياسية الخارجية في الاتحاد جوزيب بوريل إلى إمكانية تعزيز القوة الأوروبية في كوسوفو.
وقالت وكالة "أسوشيتد برس"، في تقرير نشرته الأسبوع الماضي، إن دعوة الرئيس الصربي لنشر قوات صربية في شمال كوسوفو زادت المخاوف من تجدد الحرب، معتبرة أن أي تدخل عسكري صربي في كوسوفو يعني الاشتباك مع قوات الناتو، وهو أمر مستبعد وفقًا للوكالة.
ونقل موقع "دويتشه فيله" عن محللين أوضحوا أنه في حال توجه الرئيس الصربي إلى الخيار العسكري فإنه سيكون غير مجدٍ لأنه سيؤدي إلى مواجهة مباشرة مع القوات الدولية المنتشرة هناك، معتبرين تصريحاته بمثابة "دعاية لإظهار نفسه بطلًا أما الصربيين في كوسوفو."
يد روسيا
أشار تقرير لمعهد "كارنيجي" إلى أن هناك رابطًا بين اشتعال الوضع في كوسوفو والحرب الروسية الأوكرانية.
ونقل تقرير معهد الدراسات الأمريكي، عن مراقبين أن روسيا ربما تسعى إلى فتح جبهة ثانية ضد الغرب في خاصرة أوروبا الضعيفة بمنطقة البلقان، مشيرًا إلى العلاقة الوثيقة بين روسيا وصربيا، اللتان تربطهما صلات ثقافية ودينية عميقة، فضلًا عن الروابط السياسية القوية، والتي كان من أهمها مطالبة موسكو قبل أيام بضمان حقوق الصرب في كوسوفو.
لكن معهد كارنيجي أشار في المقابل إلى أن التوترات في كوسوفو مدفوعة أكثر بعوامل محلية، ومع ذلك، اتهمت رئيسة كوسوفو، روسيا بأن لها "مصلحة تدميرية" بالمنطقة تشمل كوسوفو والبوسنة والجبل الأسود (مونتينجرو).
ووفق دراسة "كارنيجي" فإن توتر الوضع الحالي في الإقليم يخدم أجندة موسكو في تغذية الانقسامات العرقية والمجتمعية بغرب البلقان، من أجل التسبب بمتاعب للاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
وأضافت الدراسة أن بعد اندلاع التوترات السابقة في أغسطس (آب) الماضي، كتبت صحيفة "واشنطن بوست" تقريرًا أوضحت خلاله أن الحرب الروسية على أوكرانيا أثارت توترات أوسع في منطقة البلقان، ونقلت عن محللين أن الخطاب القومي لروسيا وجد قبولًا لدى بعض القادة؛ بينهم الرئيس الصربي ألكسندر فوتشيتش، وهو قومي متشدد كان حليفًا للرئيس السابق سلوبودان ميلوزيفيتش.
كما ذكرت صحيفة "وول ستريت جورنال" حينها أن الحلف الأطلسي والاتحاد الأوروبي سارعا إلى تهدئة التوتر بين كوسوفو وصربيا بعد التصعيد الأخير، وسط مخاوف من أن تقدم روسيا على توظيف النزاع بين البلدين لزعزعة استقرار أوروبا.
ومع إخفاق الوسطاء الغربيين في التوصل لحل مستدام بين كوسوفو وصربيا، يظل خطر انفجار الوضع قائمًا رغم أن ذلك يبدو أنه لن يخدم مصلحة أي من طرفي النزاع، خاصة مع تقدم كوسوفو الخميس الماضي بطلب رسمي للانضمام للاتحاد الأوروبي وتطلع صربيا لإحراز تقدم على نفس المسار.