أثار فوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ الأمريكيين مخاوف المستثمرين في عدد من دول أمريكا اللاتينية، بعدما أصبحت العلاقة السياسية الوثيقة مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاملًا مؤثرًا في تقييم الاستثمارات والسندات السيادية خلال العامين الماضيين، إذ يخشى المستثمرون أن يؤدي تغير موازين القوى في واشنطن إلى تقليص الدعم المالي والسياسي الذي استفادت منه حكومات حليفة لترامب، وفي مقدمتها الأرجنتين وفنزويلا، إلى جانب دول أخرى عززت علاقاتها بالإدارة الأمريكية.
وأعادت نتائج انتخابات التجديد النصفي حسابات الأسواق بشأن مستقبل التدخلات الأمريكية في المنطقة، خصوصًا أن ترامب استخدم خلال ولايته الثانية أدوات اقتصادية وسياسية لدعم حلفائه وممارسة ضغوط على خصومه، بينما قد تجعل الأغلبية الديمقراطية تقديم بعض أشكال الدعم المالي والسياسي أكثر صعوبة، رغم استمرار امتلاك الرئيس صلاحيات تنفيذية واسعة للتحرك دون موافقة الكونجرس، بحسب تقرير نشرته وكالة "بلومبرج" الأمريكية.
رهانات سياسية
واعتمد المستثمرون خلال العام الماضي على معيار القرب أو البعد من ترامب في تقييم فرص الاستثمار بدول أمريكا اللاتينية، إذ ساعدت العلاقات الوثيقة مع واشنطن في تعزيز الثقة بالسندات السيادية للأرجنتين والإكوادور والسلفادور، بعدما اعتُبر التقارب السياسي مع البيت الأبيض عاملًا داعمًا للاستقرار المالي، فيما تعززت هذه الرهانات عقب العملية الأمريكية التي أسفرت عن اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير 2026.
وأثار التحول السياسي في واشنطن تساؤلات بشأن قدرة الإدارة الأمريكية على مواصلة تقديم المساندة المالية والسياسية للدول الحليفة، خصوصًا أن بعض التدخلات التي نفذها ترامب اعتمدت على الأوامر التنفيذية ولم تتطلب موافقة تشريعية جديدة، ما يعني أن سيطرة الديمقراطيين لن توقف بالضرورة جميع تحركات الرئيس، لكنها قد تزيد التدقيق والاعتراضات البرلمانية على سياساته الإقليمية.
وقال هانز هيومز، الرئيس التنفيذي لشركة "جريلوك كابيتال مانجمنت"، إن تراجع ثقة الأسواق في الدول القريبة من ترامب يمثل رد فعل منطقيًا، معتبرًا أن الحكومات التي بنت جزءًا من رهاناتها الاقتصادية على علاقاتها الوثيقة بالرئيس الأمريكي أصبحت أمام متغير سياسي جديد قد يؤثر في قدرتها على الحصول على الدعم الأمريكي.
ديون أرجنتينية
وسجلت السندات الأرجنتينية بعض أكبر التحركات السلبية عقب الانتخابات الأمريكية، بعدما زادت مخاوف المستثمرين من أن تؤدي سيطرة الديمقراطيين إلى تعقيد موقف الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، الحليف المقرب من ترامب، خلال استعداداته لخوض الانتخابات المقبلة، خصوصًا في ظل الضغوط المالية التي تواجه حكومته وتراجع فرص إعادة انتخابه.
وتركزت المخاوف على اتفاق مبادلة عملات بقيمة 20 مليار دولار حصلت عليه الأرجنتين من الولايات المتحدة العام الماضي لدعم العملة المحلية ومنع تفاقم أزمة البيزو، إذ يخشى المستثمرون أن يتعرض الاتفاق للسحب أو التعطيل مع تغير موازين القوى في الكونجرس، وهو ما قد يضعف قدرة الحكومة الأرجنتينية على مواجهة الضغوط المالية.
وقال والتر شتوبلڤيرث، مدير الاستثمار في شركة "جريت كابيتال"، إن خسائر السندات تعكس مخاوف من احتمال تراجع الدعم الأمريكي، بينما اعتبر أن استمرار مساندة واشنطن لميلي لم يعد مضمونًا بالدرجة نفسها التي كان عليها قبل الانتخابات.
وفي المقابل، رجح خبراء استمرار المصالح الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة، خصوصًا المتعلقة بالطاقة والمعادن الحيوية، حتى مع انتقال الكونجرس إلى السيطرة الديمقراطية، إذ لا ترتبط جميع التحركات الأمريكية بشخصيات سياسية بعينها، بل تتصل أيضًا بمنافسة واشنطن مع الصين على النفوذ والموارد الاقتصادية في نصف الكرة الغربي.
حسابات فنزويلا
وواجهت فنزويلا بدورها حالة من عدم اليقين بشأن مستقبل التحولات السياسية والاقتصادية التي تقودها واشنطن، بعدما أصبحت الولايات المتحدة طرفًا رئيسيًا في إدارة المرحلة الانتقالية، وتمتلك نفوذًا واسعًا على قطاع النفط والاستثمارات الأجنبية، بالتزامن مع دفع إدارة ترامب نحو إصلاحات اقتصادية وانفتاح سياسي بعد عقود من الحكم الاشتراكي والسلطوي.
وتعقدت حسابات المستثمرين بسبب تأخر إعداد تحليل استدامة الدين الفنزويلي، وهو خطوة أساسية لإعادة هيكلة عشرات المليارات من الدولارات من السندات المتعثرة، بعدما كان متوقعًا الانتهاء منه في يونيو الماضي دون استكماله حتى الآن، ما أبقى مستقبل الالتزامات المالية للبلاد غير واضح.
وقالت كاترينا بات، مديرة المحافظ الاستثمارية في شركة "أليانس برنشتاين"، إن السياسات الأمريكية تجاه فنزويلا ستخضع لمزيد من التدقيق في ظل الكونجرس الجديد، متسائلة عما إذا كان دعم مالي مماثل لاتفاق المبادلة مع الأرجنتين سيمر بسهولة في ظل الأغلبية الديمقراطية، رغم أن الاتفاق السابق نُفذ بقرار تنفيذي.
حلفاء متراجعون
وامتدت تداعيات التحول السياسي إلى عدد من القادة الحلفاء لترامب في أمريكا اللاتينية، إذ واجه ميلي صعوبات متزايدة مع تراجع شعبيته وتأثر النمو الاقتصادي بسياساته المالية، بينما أُبعد الرئيس الباراجوياني السابق سانتياجو بينيا عن منصبه بقرار من مجلس الشيوخ، وسط أزمة مصرفية واتهامات تتعلق بدوره في انهيار أحد البنوك الكبرى، أعقبها اندلاع احتجاجات واسعة.
وفي البرازيل، خسر فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، الانتخابات الرئاسية أمام اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، قبل أن يغادر إلى الولايات المتحدة، في تطور أضاف تحديًا جديدًا للتيارات السياسية المحافظة المرتبطة بترامب في المنطقة.
ورغم هذه التحديات، توقع والتر شتوبلڤيرث استمرار التزام واشنطن بدعم ميلي، معتبرًا أن ترامب قد يتمسك بنسخته الخاصة من مبدأ مونرو، الذي استُخدم تاريخيًا لتأكيد النفوذ الأمريكي في نصف الكرة الغربي ومنع القوى الخارجية من توسيع حضورها فيه.
وحذر سامي معوض، رئيس قسم الدخل الثابت للأسواق الناشئة في شركة "تي رو برايس"، من أن التدخلات المالية الأمريكية الاستثنائية التي استفادت منها بعض دول المنطقة لا يمكن الاعتماد عليها مستقبلًا بالوتيرة نفسها، مشيرًا إلى أن الدول الأكثر اعتمادًا على الدعم الخارجي ستكون الأكثر تعرضًا للمخاطر.
وعكست هذه التطورات أن انتقال السيطرة على الكونجرس الأمريكي إلى الديمقراطيين لا يقتصر تأثيره على الداخل الأمريكي، بل يمتد إلى حسابات الحكومات والمستثمرين في أمريكا اللاتينية، خصوصًا الدول التي ربطت استقرارها المالي بعلاقاتها مع ترامب، في وقت ستظل فيه المصالح الاستراتيجية الأمريكية في الطاقة والمعادن والنفوذ الإقليمي عاملًا رئيسيًا في تحديد مسار العلاقات خلال المرحلة المقبلة.