انطلقت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، اليوم الثلاثاء، وسط صعوبات يواجهها الجمهوريون للاحتفاظ بأغلبيتهم في الكونجرس، خصوصًا مع تصاعد استياء الناخبين من تكاليف المعيشة وتداعيات حرب إيران، إلى جانب ضغوط الحياة اليومية للأمريكيين.
وفي ظل ما وصفه الحزب الجمهوري بـ"الإنجازات" خلال فترة ترامب وتراجع معدلات التضخم، يقف الناخب الأمريكي حائرًا بين مخاوف ارتفاع التضخم وأسعار الوقود من جهة، والانقسام السياسي المتزايد حول حدود التدخل الخارجي والأزمات المعيشية من جهة أخرى.
قضايا تؤثر على قرارات الناخبين
تتشكل أولويات الناخب الأمريكي أمام صناديق الاقتراع اليوم عبر قضايا رئيسية فرضت نفسها بقوة، بدءًا من النقاشات المحلية الحادة في ولاية "مين" وصولًا إلى منصات المناظرات الكبرى في "كاليفورنيا".
وبحسب استطلاع الرأي الذي أجرته وكالة "أسوشيتد برس"، تأتي تكلفة المعيشة في صدارة الاهتمامات، حيث يواجه الأمريكيون ضغوطًا اقتصادية متزايدة جراء الارتفاع الملحوظ في أسعار الوقود والسلع الأساسية، وهو ما يُرجعه محللون إلى التغييرات الجمركية وتداعيات الحرب الأمريكية على إيران.
وفي ملف الهجرة، يسلط الجمهوريون الضوء على تراجع أعداد المهاجرين كدليل على وفاء إدارة ترامب بتعهداتها بشأن ضبط الحدود، بينما يرى معارضون أن هذه التدابير باتت شديدة القسوة.
وعلى الصعيد الخارجي، تثير الحرب مع إيران انقسامًا واضحًا بين تأييد قطاع من الناخبين للحزم العسكري، ورفض آخرين لما تسببه من تداعيات اقتصادية سلبية على حياتهم اليومية.
وعلى المستوى المحلي، برز موقف نادرًا ما يتكرر، برفض شعبي وسياسي عابر للأحزاب ضد التوسع في مراكز البيانات، حيث يتخوف الديمقراطيون والجمهوريون معًا من استنزافها للموارد المحلية.
ويظل ملف الرعاية الصحية ساحة منافسة محتدمة؛ إذ يركز الديمقراطيون على التكاليف الباهظة للتأمين الصحي، بينما يبرز الجمهوريون المبادرات الراهنة لخفض أسعار الأدوية الموصوفة.
5 ولايات مفصلية
في ظل سيطرة الجمهوريين الراهنة على الكونجرس وتوقعات باستعادة الديمقراطيين لمجلس النواب، تظل المعركة على "الشيوخ" محتدمة ومفتوحة على الاحتمالات كافة، حيث تحسم 5 ولايات رئيسية هوية الحزب المسيطر على المجلس خلال العامين المقبلين.
وتتجه الأنظار إلى ألاسكا ومين وكانساس؛ حيث يخوض الجمهوريون دان سوليفان، وسوزان كولينز، وروجر مارشال مواجهات صعبة أمام منافسين ديمقراطيين ومستقلين، بينها سباق تقاربت فيه المؤشرات على نحو غير متوقع في كانساس المحافظة.
وفي غياب مرشحين حاليين في تكساس وميشيجان، تشتد المنافسة بين الديمقراطي جيمس تالاريكو والجمهوري كين باكستون في تكساس، بينما يسعى الديمقراطي عبد السيد لدخول التاريخ كأول سيناتور مسلم عن ميشيجان أمام منافسه الجمهوري مايك روجرز.
استطلاعات غير دقيقة
وفي الاتجاه ذاته، يرى الباحث المتخصص في الشأن الأمريكي، مالك شرقاوي، أن استطلاعات الرأي التي جرت خلال السنوات الأخيرة بشأن الانتخابات أثبتت عدم دقتها، مستشهدًا بفوز دونالد ترامب في ولايته الأولى على هيلاري كلينتون رغم أن التوقعات كانت تصب لصالح الأخيرة.
وأوضح "شرقاوي" أن هذه الاستطلاعات تعتمد على عينات عشوائية لا تتجاوز 10 آلاف مواطن، ولا تعكس واقع الشارع الأمريكي.
وأبدى الباحث تشككه تجاه أحدث الاستطلاعات التي تمنح الديمقراطيين أغلبية بـ241 مقعدًا في مجلس النواب و52 مقعدًا في مجلس الشيوخ، لافتًا إلى مؤشرات اقتصادية قوية؛ حيث تسجل مؤشرات أسواق المال مستويات قياسية بواقع 52 ألف نقطة لمؤشر ناسداك و2600 نقطة لمؤشر الأسهم العام، وهي أرقام لم تشهدها الولايات المتحدة من قبل، إلى جانب تراجع معدل التضخم إلى 1.7% قبل إغلاق مضيق هرمز، وهو أدنى مستوى له منذ 20 عامًا.
وأشار إلى أن الشعب الأمريكي ليس بأكمله ضد الحرب مع إيران، بل هناك أغلبية تؤيد منعها من امتلاك سلاح نووي.
الاقتصاد يحرك معظم الأمريكيين
وحذر الخبير الاقتصادي مراد كواشي من تداعيات الأزمة العسكرية في الشرق الأوسط وإيران على المشهد الانتخابي والسياسي داخل الولايات المتحدة الأمريكية، مؤكدًا أن النمط الاقتصادي وتكاليف المعيشة هما المحرك الأساسي لأصوات الناخبين.
وفي حديثه لـ"القاهرة الإخبارية"، أشار "كواشي" إلى أن الإدارة الأمريكية تسير قدمًا في خططها العسكرية بالمنطقة دون الالتفات الكافي إلى تأثيراتها المباشرة على الداخل الأمريكي، مما خلق معادلة بالغة الصعوبة وتكاليف داخلية باهظة.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن نحو 85% من قرارات الناخبين الأمريكيين تحركها النتائج الاقتصادية ومستويات المعيشة، لافتًا إلى أن السياسات الراهنة وتداعيات الحرب في إيران انعكست سلبًا على أسعار الطاقة ومعدلات التضخم، وهو ما أدى بدوره إلى تراجع ملحوظ في مستويات شعبية الرئيس دونالد ترامب خلال الفترة الأخيرة.
وذكر أن البيت الأبيض يواجه مأزقًا حقيقيًا في كيفية كبح التضخم وتحفيز النمو وسط تعقيدات أزمة الفيدرالي الأمريكي وملفات الشرق الأوسط، مشددًا على أن أي إخفاق للجمهوريين في الانتخابات الحالية من شأنه أن يعمق الهوة السياسية والاقتصادية بالبلاد.
إنجازات ترامب
قال عضو الحزب الجمهوري، إريك براون، إن انتخابات التجديد النصفي التي تشهدها الولايات المتحدة الأمريكية مجرد انعكاس لسياسات الرئيس الحالي دونالد ترامب، وأعرب عن تفاؤله بالفوز، خصوصًا أن الجمهوريين يفرضون سيطرتهم داخل الكونجرس.
وفي حديثه لـ"القاهرة الإخبارية"، أوضح القيادي بالحزب الجمهوري أن إنجازات الرئيس الأمريكي "تتحدث عن نفسها"، مشيرًا إلى أن الشارع الأمريكي يتطلع إلى تحقيق المزيد من الإنجازات خلال الفترة المقبلة.
وفي رده على استطلاعات الرأي التي تشير إلى عدم رضا قطاع من الشارع عن سياسات "ترامب"، شدد عضو الحزب الجمهوري على ضرورة قراءة هذه المؤشرات بحذر، مشيرًا إلى الانقسام الحالي في قاعدة الناخبين وتقارب النسب بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري، مضيفًا أن التباين الديموغرافي الشديد بين المدن والولايات، إلى جانب التوجيه الإعلامي، يلعبان دورًا محفزًا ومؤثرًا في رسم هذه النتائج.
معركة "الشيوخ" هي الأشرس
في المقابل، أكدت الدكتورة شيرين النجار، القيادية بالحزب الديمقراطي، أن حظوظ حزبها تبدو قوية للغاية في حسم أغلبية مجلس النواب الأمريكي، في الوقت الذي تظل فيه المعركة الانتخابية الأكثر سخونة واحتدامًا متركزة حول السيطرة على مجلس الشيوخ.
وفي حديثها لـ"القاهرة الإخبارية"، أوضحت "النجار" أن الحزب الديمقراطي يسعى لانتزاع 4 مقاعد إضافية من الجمهوريين للظفر بأغلبية مجلس الشيوخ، و3 مقاعد أخرى لاستعادة السيطرة على مجلس النواب، مبينة أن أرقام المؤشرات الحالية تصب في صالح تحقيق أغلبية ديمقراطية بمجلس النواب دون صعوبة بالغة.
وعلى الصعيد الرئاسي، أشارت القيادية في الحزب الديمقراطي إلى أن حرص الرئيس الأمريكي على زيارة ولايات محددة لحشد الدعم للجمهوريين يعكس مدى ضراوة المعركة في "الشيوخ".
ولفتت في السياق ذاته إلى أن الفترة الأخيرة شهدت نأي بعض أعضاء الحزب الجمهوري بأنفسهم عن سياسات الرئيس ترامب، محذرة من أن الناخبين المستقلين وغير المنتمين حزبيًا يعانون حالة من النقمة والاستياء تجاه الأوضاع الراهنة بالبلاد، وهو ما قد ينعكس بوضوح على نتائج صناديق الاقتراع.