شهدت العاصمة البولندية وارسو تصعيدًا جديدًا في الأزمة المستمرة منذ سنوات بشأن شرعية المحكمة الدستورية، بعدما انتشرت شرطة مكافحة الشغب أمام مقرها، مساء الجمعة، إثر قرار مجموعة من القضاة تعليق عمل رئيس المحكمة، بوجدان شفيتشكوفسكي، ونائبه بارتلوميج سوتشانسكي، وسط خلافات بشأن شرعية تشكيل الهيئة القضائية.
وأثار القرار ردود فعل غاضبة من حزب القانون والعدالة المحافظ، الذي يتزعمه ياروسواف كاتشينسكي، واصفًا ما حدث بأنه اعتداء على المحكمة، فيما احتشد مئات المتظاهرين، بينهم نواب من المعارضة، أمام المبنى للتعبير عن دعمهم للقاضيين المعلّق عملهما.
وقالت الشرطة إنها أوقفت ثلاثة أشخاص، بعدما تمكن بعض المحتجين من تجاوز السياج المحيط بالمحكمة، وألقى آخرون أشياء باتجاه أفراد الأمن، ما أدى إلى مواجهة متوترة بين الطرفين، وفقًا لصحيفة "ذا جارديان" البريطانية.
تدخل في الأزمة
وفي تطور لافت، قطع الرئيس البولندي كارول ناوروكي، المدعوم من حزب القانون والعدالة، رحلته الجوية إلى السنغال، حيث كان يعتزم إجراء زيارة رسمية، وعاد إلى وارسو للتدخل في الأزمة.
وقبيل الساعة الواحدة صباح السبت، ظهر ناوروكي أمام مقر المحكمة، وتمكن من عبور الطوق الأمني والدخول إلى المبنى، وسط تدافع مع أفراد الأمن وقضاة آخرين، وفق مقطع مصور متداول. وبحلول الرابعة صباحًا بالتوقيت المحلي، كان الرئيس لا يزال داخل المبنى.
وفي تسجيل نُشر عبر الإنترنت، سُمع ناوروكي يقول إن القضاة المعينين من جانب الحكومة "ليسوا قضاة في المحكمة الدستورية". كما انتقد، في بيان تُلي نيابة عنه أمام مقر المحكمة عند الخامسة صباحًا، ما وصفه بأنه "انتهاك للنظام الدستوري في بولندا"، معتبرًا أن "هيئة دستورية جرى الاستيلاء عليها بالقوة"، وداعيًا قوات الأمن إلى مغادرة المبنى.
خلاف ممتد
وتعود جذور الأزمة إلى عام 2015، حين اتخذت الحكومتان المنتهية ولايتهما والوافدة، المنتميتان إلى تيارين سياسيين متنافسين، خطوات متلاحقة لتعيين قضاة في المحكمة، وسط تشكيك قانوني في سلامة تلك التعيينات.
وأدى النزاع إلى شلل في عمل المحكمة، قبل أن تتفاقم الخلافات خلال السنوات الثماني التي حكم فيها حزب القانون والعدالة، على خلفية إصلاحات قضائية أثارت صدامًا مع الاتحاد الأوروبي بشأن سيادة القانون واستقلال القضاء.
ومنذ عودة دونالد توسك إلى رئاسة الحكومة عام 2023، تعهد بإلغاء الإصلاحات المثيرة للجدل وتحسين العلاقات مع بروكسل، لكنه واجه عراقيل بسبب استخدام رئيسين محافظين متعاقبين صلاحياتهما الرئاسية، بما فيها حق النقض، لعرقلة التغييرات المقترحة.
انقسام بشأن التعليق
وتفاقمت الأزمة مجددًا بعدما رفض ناوروكي أداء اليمين الدستورية لخمسة قضاة انتخبهم البرلمان الحالي، رغم أن اللجنة الأوروبية للديمقراطية من خلال القانون، المعروفة باسم "لجنة البندقية"، أكدت في وقت سابق من الشهر الجاري أن رفض الرئيس لا ينبغي أن يمنع القضاة من مباشرة مهامهم.
وفي المقابل، تحرك قضاة انتخبهم الائتلاف الحاكم لتعليق عمل شفيتشكوفسكي، الوزير السابق في حكومة حزب القانون والعدالة، والسيطرة على إدارة الإجراءات داخل المحكمة. وأعلنت القاضية آنا كورفين-بيوتروفسكا، وهي من بين القضاة الخمسة الذين رفض ناوروكي اعتمادهم، توليها المنصب الأعلى، مستندة إلى امتلاكها أطول خبرة في السلك القضائي.
وتباينت آراء الخبراء بشأن قانونية قرار التعليق؛ إذ قال أستاذ القانون مارسين ماتشاك إنه لا يعتقد أن الأساس القانوني للقرار قائم، رغم معارضته السابقة لشفيتشكوفسكي. كما أعلن وزير العدل فالديمار زورك أنه طلب رفع الحصانة القانونية عن رئيس المحكمة ونائبه تمهيدًا لملاحقتهما قضائيًا بتهمة عرقلة عملها.
وأثارت التطورات قلقًا دوليًا؛ إذ حذر السفير الأمريكي لدى بولندا توم روز من خطورة الموقف، مشيرًا إلى تضارب روايات الطرفين ومخاطر تحول الحشود والمواجهة إلى أزمة أكبر.
ومن المتوقع أن يزيد التصعيد الاستقطاب السياسي في البلاد، قبل الانتخابات البرلمانية المقررة العام المقبل، في ظل استطلاعات تشير إلى احتمال عودة اليمين الشعبوي إلى السلطة.