باتت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية تُلقي بظلالها الثقيلة على الحزب الجمهوري، الذي يترقب بقلق بالغ ليلةً انتخابية قد تُعيد رسم خريطة النفوذ في الكونجرس.
ووفق ما كشفته مجلة بوليتيكو، استنادًا إلى ستة مصادر مطلعة على النقاشات الداخلية، لم يعد السؤال المطروح في أروقة الحزب "هل ستُفقَد الأغلبية في مجلس النواب؟"، بل تحوَّل إلى "بكم مقعد ستُفقَد؟"، في مؤشر صارخ على حجم الأزمة التي يواجهها الجمهوريون مع اقتراب يوم الاقتراع، إذ تتهددهم خسائر في دوائر كانت تُعد حتى وقت قريب خارج نطاق المنافسة.
حجم الخسائر
بحسب ستة مصادر مطلعة على النقاشات الداخلية تحدثت إليهم بوليتيكو بشرط السرية، بات النقاش الجمهوري في الغرف المغلقة للحزب منصبًا على حجم الخسائر لا احتمال وقوعها.
وفي لقطة تعكس حجم الإرباك، أفادت المصادر ذاتها بأن عددًا من المرشحين الجمهوريين في دوائر كانت تُعد آمنة توقفوا عن إجراء استطلاعاتهم الداخلية منذ أسابيع، توفيرًا لكل دولار ممكن لشراء إعلانات تُقنِع الناخبين المترددين، في انتظار تدخل "فرسان الإنقاذ" من الحملة السياسية للرئيس دونالد ترامب واللجنة الوطنية الجمهورية للكونجرس "NRCC".
وذهب أحد المستشارين العاملين في انتخابات التجديد النصفي إلى حد الإجابة على سؤال عن المشهد العام بمقطع فيديو لحاوية قمامة مشتعلة تجرفها مياه الفيضان.
وقالت اللجنة الوطنية الجمهورية للكونجرس، في بيانٍ، إنها أجرت استطلاعات في أكثر من 100 دائرة انتخابية، في مسعى لرسم خريطة دقيقة لامتداد الأضرار وتوجيه الموارد نحو الجبهات الأشد خطورة، مشيرةً إلى أنها بدأت بث إعلاناتها المُنسَّقة في أغسطس الماضي، أي قبل نظيرتها الديمقراطية "DCCC" بأكثر من شهر.
غضب الناخبين
لا يمكن فهم هذا المشهد بمعزل عن الغضب الشعبي المتصاعد من ارتفاع تكاليف المعيشة، الذي يُلقي بظلاله الثقيلة على قواعد الحزب الجمهوري التقليدية، ففي محطة وقود بمدينة إيو كلير بولاية ويسكونسن، حيث يحتدم السباق على الدائرة الثالثة، التقت بوليتيكو بالشاب إيزايا روميرو البالغ من العمر 20 عامًا، الذي كان من بين الشباب الذين أدلوا بأصواتهم لأول مرة لصالح ترامب قبل عامين، أمام مضخة الوقود التي تُظهر أسعارًا تتجاوز 4 دولارات للجالون و6.39 دولار للديزل، كان جوابه قاطعًا: "لن أصوِّت هذه المرة.. أنا لم أصوِّت لهذا".
هذا العزوف ليس حالة فردية، إذ يرى الجمهوريون أن موجة من الشباب وطبقة العمال البيض والهيسبانيك الذين صوتوا لترامب عام 2024 قد تتخلف عن التصويت هذه المرة بسبب خيبة الأمل من الأوضاع الاقتصادية وتداعيات الحرب مع إيران، ما قد يمنح الديمقراطيين أرقامًا أعلى بكثير مما كان يُتوقع في مناطق عديدة.
الحصون الحمراء تتصدع
في أوهايو، تتقاطع عوامل عدة لتجعل من الولاية كابوسًا جمهوريًا شاملًا، فسباق مجلس الشيوخ بين المرشح الجمهوري جون هوستيد والسيناتور الديمقراطي السابق شيرود براون لا يزال محتدمًا بشكل غير عادي وفق الاستطلاعات العامة والخاصة.
ويُضاف إلى ذلك أن أرقام مرشح منصب الحاكم فيفيك راماسوامي "انهارت" في الأيام الأخيرة، بعد بثِّه إعلانًا مثيرًا للجدل يستعين فيه بوالدة منافسته آمي أكتون المنفصلة عنها لوصف ابنتها بالكذب، في حين أن والدها بالتبني كان قد وُجهت إليه تهمة اغتصابها حين كانت في الثانية عشرة من عمرها.
كما باتت ثمة قناعة جمهورية شبه راسخة، وفق أربعة مصادر لبوليتيكو، بأن النائب ماكس ميلر المتهم بادعاءات إساءة أسرية ينفيها، على وشك الخسارة في دائرة فاز فيها ترامب بفارق من رقمين.
ولايات تترنح
على صعيد مجلس النواب، كشفت بوليتيكو عن أن اللجنة الوطنية الجمهورية للكونجرس دفعت بإعلانات منسَّقة إلى دوائر لم تكن مدرجة أصلًا ضمن الدوائر التنافسية، كتلك التي يمثلها النواب جيف هيرد في كولورادو، وبيل هوينجا في ميتشيجان، وروب ويتمان في فيرجينيا، ومايك تيرنر في أوهايو، ومونيكا دي لا كروز في تكساس.
وبحسب أربعة مصادر مطلعة لبوليتيكو، يبدو أن الدائرة الحادية عشرة المفتوحة في كارولينا الشمالية باتت من شبه المؤكد ضائعة، فضلًا عن عدة مقاعد حمراء أخرى فاز فيها ترامب بفارق من رقمين، كذلك باتت الدائرة السادسة في كنتاكي التي فاز فيها ترامب بـ15 نقطة تترنح.
وفي جنوب تكساس، وصل المسؤولون الجمهوريون إلى قناعة مفادها أنه "لا مبلغ جديد سيغير الكارثة القادمة" في تلك الدوائر.
في المقابل، لا يزال الجمهوريون يراهنون على انتزاع بعض المقاعد من الديمقراطيين، كمقعد النائبة ماري جلوزنكامب بيريز في واشنطن، والنائب جابي فاسكيز في نيو مكسيكو، إلى جانب الفوز بمقعد النائب المتقاعد جاريد جولدن في ماين، غير أن هذه المكاسب المحتملة تبدو شحيحة أمام حجم الخسائر المتوقعة، في حين يتواصل السباق الأغلى في تاريخ مجلس النواب على مقعد النائب الديمقراطي دون ديفيس في كارولينا الشمالية، دون أن يستطيع الجمهوريون حسم نتيجته.