يسعى البيت الأبيض إلى فتح مسار دبلوماسي جديد مع إيران، في محاولة للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويحول دون تجدد المواجهات العسكرية، عبر التواصل المباشر مع أحد أبرز الشخصيات في النظام الإيراني، محسن رضائي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي والقائد السابق للحرس الثوري الإيراني.
وفي هذا السياق، بعث نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس برسالة إلى رضائي الأسبوع الماضي، أعرب فيها عن استعداده للقائه شخصيًا لمناقشة تسوية تفاوضية للحرب، في تحرك يعكس رهان إدارة الرئيس دونالد ترامب على دور رضائي في التوصل إلى توافق داخل طهران بشأن البرنامج النووي.
ونقلت الرسالة، التي كشف عنها تقرير لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية، وفقًا لمسؤول أمريكي مطلع على المفاوضات، تأكيد فانس أن "المصلحة الأمريكية الأساسية تتمثل في ضمان عدم امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، مقابل إتاحة المجال أمام طهران لإعادة بناء اقتصادها المتضرر من الحرب والعقوبات، والحفاظ على سيادتها الوطنية".
وشدد نائب الرئيس الأمريكي، بحسب المسؤول، على ضرورة أن ترسل إيران ممثلين يتمتعون بصلاحيات كافية لمناقشة الملف النووي، بما يسمح بإجراء مفاوضات جادة بشأن القضايا الخلافية.
نقطة اتصال رئيسية
يعكس التواصل الأمريكي، بحسب الصحيفة، تقديرًا بأن رضائي يمثل نقطة الاتصال الأساسية داخل النظام الإيراني، وأنه يمتلك النفوذ اللازم لبناء توافق داخلي بشأن أي اتفاق محتمل لوقف البرنامج النووي.
وتشير تقديرات استخباراتية أمريكية إلى أن رضائي على اتصال منتظم بالمرشد الأعلى مجتبى خامنئي، وأنهما أجريا اتصالات خلال الأيام الأخيرة التي أعقبت تسلُّم الرسالة الأمريكية.
كما ترى واشنطن أن رضائي عزز نفوذه داخل مؤسسات الدولة، مستفيدًا من علاقاته السابقة مع قيادات الحرس الثوري، إلى جانب إعادة هيكلة المجلس الأعلى للأمن القومي وتعيين شخصيات مقربة منه في مواقع داخله، فضلًا عن تعاونه مع مسؤولين يشرفون على الاقتصاد الإيراني، الذي يواجه ضغوطًا متزايدة بفعل العقوبات والحصار المفروض في مضيق هرمز.
وتعتقد الإدارة الأمريكية أن رضائي يدرك حجم الأزمة الاقتصادية التي تواجهها بلاده، وهو ما قد يدفعه إلى التعامل بجدية مع فرص التوصل إلى تسوية.
استضافة المفاوضات
وتبرز قطر بوصفها وسيطًا رئيسيًا في الاتصالات بين الجانبين، إذ يواصل مبعوثوها التواصل مع رضائي ومسؤولين إيرانيين بارزين. ووفقًا للمسؤول الأمريكي، فإن مدينة إسطنبول التركية أو العاصمة القطرية الدوحة قد تكونان الموقعين الأكثر ترجيحًا لاستضافة لقاء محتمل بين فانس والمسؤول الإيراني.
وأفادت مصادر مطلعة بأن القيادة الإيرانية تعاملت مع رسالة فانس باعتبارها مؤشرًا على احترام واشنطن لإيران، إلا أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات على حدوث تغيير في الموقف الإيراني بشأن الملف النووي، الذي يمثل محور الخلاف بين البلدين.
مخطط نتنياهو
ويأتي التحرك الدبلوماسي الأمريكي في وقت تتزايد فيه مخاطر استئناف المواجهات، وسط ضغوط يمارسها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو باتجاه تغيير النظام الإيراني، باعتباره، وفقًا لتصريحاته، السبيل الوحيد لإزالة التهديد الإيراني نهائيًا.
كما أشار ترامب إلى رغبته في "إنهاء المهمة" في إيران، بالتزامن مع تعزيز وزارة الحرب الأمريكية وجود قواتها العسكرية في المنطقة، رغم تفضيل الرئيس الأمريكي ونائبه التوصل إلى اتفاق سلمي بدلًا من العودة إلى الحرب.
وكان فانس قاد الجهود الدبلوماسية الأمريكية مع طهران، وزار إسلام آباد في أبريل الماضي، حيث التقى رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، وطرح مقترحًا لرفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية وإقامة شراكة اقتصادية أطلق عليها فريق ترامب اسم "الجسر الذهبي"، مقابل التوصل إلى اتفاق نووي ملزم.
إلا أن قاليباف لم يتمكن من تمرير المقترح داخل إيران، قبل توقيع مذكرة تفاهم محدودة وملتبسة بين البلدين، انهارت لاحقًا مع تبادل إطلاق النار في مضيق هرمز.
رهان محفوف بتعقيدات
وتعتقد مصادر أمريكية مطلعة على المفاوضات أن الصراع يقترب من نقطة تحول، وأن التواصل المباشر مع القيادات المتشددة في طهران يستهدف إظهار جدية واشنطن في المسار الدبلوماسي.
لكن رضائي، الذي بنى مسيرته السياسية والعسكرية على مواقف رافضة للولايات المتحدة وإسرائيل، يمثل اختبارًا صعبًا لفرص التوصل إلى اتفاق، رغم ما يمتلكه من نفوذ داخل النظام الإيراني.
ويعزز التحرك دور فانس المتنامي في إدارة السياسة الخارجية الأمريكية، كما يتيح له الدفع باتجاه تسوية تتجنب استمرار حرب لا تحظى بتأييد شعبي واسع، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، المقررة في نوفمبر المقبل، وسط توقعات بتكبد الجمهوريين خسائر انتخابية.