الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

القمة الروسية-الإفريقية تضع خارطة طريق لاقتصاد متعدد الأقطاب

  • مشاركة :
post-title
صورة جماعية لقادة وزعماء القمة الروسية الإفريقية الثالثة في موسكو

القاهرة الإخبارية - طه العومي

اختُتمت في العاصمة الروسية موسكو، اليوم الخميس، فعاليات اليوم الثاني والأخير للقمة الروسية الإفريقية الثالثة، بمشاركة واسعة من قادة ومسؤولي الدول الإفريقية، لبحث سُبل تعزيز التعاون المشترك وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية، بجانب مناقشة قضايا الأمن والاستقرار والتنمية في القارة.

وفي الإطار ذاته، تتعدد مسارات الشراكة بين روسيا والدول الإفريقية؛ لتشمل مجالات التجارة والطاقة والغذاء والأمن والتكنولوجيا، إذ يسعى الطرفان إلى دفع العلاقات نحو آفاق أوسع، وسط تطلعات إلى تحويل الاتفاقيات لمشروعات ملموسة تُعلي من القيمة المضافة وتلبي الاحتياجات التنموية للقارة.

شراكة تاريخية ونظام متعدد الأقطاب

أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال الجلسة الأولى للقمة، استعداد موسكو لتقديم مختلف أشكال الدعم للدول الإفريقية في مجالات الاقتصاد والتجارة والغذاء والطاقة والتكنولوجيا.

ووصف بوتين العلاقات الروسية الإفريقية بأنها متينة وتاريخية، وقائمة على الصداقة والتعاون، مُشددًا على أن الوجود الروسي في القارة يهدف إلى الدعم، وليس إلى ممارسة الضغوط السياسية، على غرار ما وصفه بالممارسات الغربية.

من جانبه، أشار سيرجي ماركوف، أستاذ العلوم السياسية، في مداخلة عبر قناة "القاهرة الإخبارية"، إلى أن القمة تمثل خطوة إلى الأمام في مسار العلاقات بين الجانبين، وتُسهم في تعزيز الاستقرار عبر الحوار السياسي وفتح آفاق جديدة للتعاون الاقتصادي، لا سيما مع دول مثل مصر والجزائر.

وأكد ماركوف أهمية دعم التوجه نحو عالم متعدد الأقطاب والتخلي عن النظام الإمبريالي القديم، لافتًا إلى امتلاك موسكو قدرات تكنولوجية تتيح لها تقديم حلول للحكومات الإفريقية، مثل تطوير الشبكات الرقمية التي تربط المؤسسات بالمواطنين وتسهّل تقديم الخدمات اليومية.

التبادل التجاري

أشار مراسل "القاهرة الإخبارية" في موسكو، حسين مشيك، وفقًا للعرض التفصيلي للقناة، إلى أن حجم التبادل التجاري بين روسيا وإفريقيا بلغ نحو 27 مليار دولار، مع تسجيل هذا الرقم عام 2025، فيما كشف الخبير الاقتصادي الدكتور شريف سليمان أن حجم التبادل التجاري الحالي يبلغ نحو 28 مليار دولار، وتتطلع موسكو والقارة الإفريقية إلى رفع حجم التبادل التجاري لـ50 مليار دولار، خلال السنوات المقبلة.

وأوضح الدكتور شريف سليمان أن تحقيق هذا الهدف يقتضي التحول من مجرد استيراد الحبوب إلى التصنيع المشترك، وتوطين التكنولوجيا، وتدريب الكوادر، فضلًا عن معالجة تحديات التمويل والنقل والخدمات اللوجستية.

ولفت مراسل "القاهرة الإخبارية" إلى أن نحو 80% من التبادل التجاري بين الجانبين يُجرى بالروبل الروسي.

وشهدت القمة التخطيط لتوقيع نحو 30 اتفاقية متنوعة تغطي مجالات التجارة والاقتصاد والطاقة وتأهيل البنية التحتية وتنظيم حركة الطيران والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة.

الأمن الغذائي والقطاع الزراعي

يحتل ملف الأمن الغذائي مكانة بارزة في أجندة الشراكة؛ نظرًا إلى أهمية الحبوب والأسمدة للاقتصادات الإفريقية. وفي السياق ذاته، أوضح العرض التفصيلي لقناة "القاهرة الإخبارية" أن الصادرات الزراعية الروسية إلى إفريقيا تجاوزت 7 مليارات دولار، عام 2024، بزيادة قدرها 19% مقارنة بالعام السابق، فيما تجاوزت الصادرات خلال النصف الأول من عام 2026 حاجز الـ11 مليون طن، بقيمة بلغت 2.9 مليار دولار.

كما أُعلن، في فبراير 2024، استكمال تنفيذ التعهد الروسي بتقديم 200 ألف طن من الحبوب مجانًا لست دول إفريقية.

ومن جانبه، أوضح الدكتور شريف سليمان أن الصادرات الروسية إلى إفريقيا بلغت، خلال العام الماضي، 18 مليون طن من الحبوب و2.2 مليون طن من الأسمدة.

وشدد "سليمان" على أهمية إبرام عقود متوسطة وطويلة الأجل لتأمين توريد الحبوب إلى الموانئ، وإيجاد حلول لتدشين ممر بحري بين مصر وروسيا لتقليل تكاليف النقل، فضلًا عن التوسع في إنشاء صوامع الغلال، ونقل تكنولوجيا صناعة الأسمدة والكيماويات والمعدات الزراعية.

النموذج المصري-الروسي

برز النموذج المصري بوصفه ركيزة أساسية وبوابة رئيسية للتواجد الروسي والتعاون مع إفريقيا؛ ولفت مراسل "القاهرة الإخبارية" في موسكو إلى حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي عن مشروع محطة الضبعة النووية والمنطقة الصناعية الروسية بقناة السويس، باعتبارهما نموذجين بارزين للتعاون المصري الروسي، داعيًا إلى تعميم تجربة الضبعة بوصفها نموذجًا يمكن تطبيقه في دول إفريقية أخرى، دون المساس بالسيادة الوطنية.

واعتبر الدكتور شريف سليمان أن مشروع الضبعة، المكوّن من أربعة مفاعلات بقدرة إجمالية تبلغ 4800 ميجاوات، يمثل نموذجًا محوريًا، تتمثل أهم عوائده بالنسبة إلى مصر في نقل التكنولوجيا المتقدمة إلى الكوادر والعمالة المصرية، وتفعيل مشاركة الشركات الوطنية، وإنتاج طاقة منخفضة التكلفة.

وشدد الدكتور سليمان على ضرورة توجيه الاستثمارات نحو المنطقة الصناعية الروسية بقناة السويس، لتجهيز الحاصلات الزراعية من خلال التجميد والتجفيف والتعبئة، وإكسابها قيمة مضافة قبل التصدير.

وكشف سليمان أن نحو 40% من حجم التجارة والاستثمارات الروسية الإفريقية يتركز في مصر، ما يجعلها نقطة انطلاق رئيسية لاكتساب الخبرات وتطبيق المشروعات، تمهيدًا لنقل الخبرات المصرية الروسية المشتركة لتنفيذ مشروعات مماثلة في بقية دول القارة.

تعاون شامل

استعرض التقرير التفصيلي لقناة "القاهرة الإخبارية" أبعادًا أخرى للشراكة الإستراتيجية، تشمل الشراكة في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية، والنفط والغاز، واستغلال الموارد الطبيعية.

واستضافت مدينة سان بطرسبرج، خلال الفترة من 29 أكتوبر إلى 1 نوفمبر 2025، أول حوار روسي إفريقي بشأن المواد الخام، بهدف تطوير البنية التحتية ونقل التكنولوجيا.

وأوضح التقرير أن التعاون العسكري ومكافحة الإرهاب والتطرف والقرصنة تمثل ركائز أساسية للشراكة، إذ أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، خلال قمة عام 2023، توقيع اتفاقيات للتعاون العسكري التقني مع أكثر من 40 دولة إفريقية.

وأضاف التقرير أن التبادل الأكاديمي والبحثي يتسع ليشمل أكثر من 37 ألف طالب إفريقي يدرسون في الجامعات الروسية، خلال العام الجاري، بجانب التعاون في مجالات الاستخدامات السلمية للفضاء والتكنولوجيا النووية.

وتتجه الأنظار، مع اختتام أعمال القمة الثالثة في موسكو، إلى مخرجات المحادثات والاتفاقيات الجديدة، ومدى قدرتها على التحول إلى استثمارات ومشروعات فعلية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، بما يعزز التصنيع المحلي ويوفر فرص العمل في القارة الإفريقية.

وتعكس المشاركة الواسعة في القمة، وفقًا للأرقام الواردة، حجم الاهتمام بتعزيز العلاقات بين الطرفين، إذ تشارك 48 دولة إفريقية، بينها 22 دولة على مستوى الرؤساء ورؤساء الحكومات، بجانب ممثلين عن معظم المنظمات والتكتلات الإقليمية الإفريقية، وأكثر من 4 آلاف رجل أعمال.

وكانت القمة الروسية الإفريقية الأولى عُقدت في مدينة سوتشي الروسية، أكتوبر 2019، فيما استضافت مدينة سان بطرسبرج القمة الثانية، يوليو 2023.