الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

الانعكاسات الاقتصادية للقمة الروسية الإفريقية الثالثة

  • مشاركة :
post-title
القمة الروسية الإفريقية الثالثة في موسكو

القاهرة الإخبارية - رضوى محمد

انطلقت في العاصمة الروسية موسكو، القمة الروسية الإفريقية الثالثة يومي 28 و29 أكتوبر 2026، وشاركت في القمة وفود من 48 دولة إفريقية، بينها 22 وفدًا برئاسة رؤساء الدول. وتستهدف هذه القمة تعزيز علاقات التعاون بين روسيا ودول القارة السمراء، من خلال بحث سبل تطوير الشراكات الاقتصادية والتجارية والسياسية، إضافة إلى مناقشة القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

تأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على رسائل القمة الروسية الإفريقية، فضلًا عن توضيح الانعكاسات الاقتصادية لهذه القمة.

رسائل متعددة

يمكن إلقاء الضوء على الرسائل المختلفة التي جاءت بها القمة الروسية الإفريقية من خلال النقاط التالية:

(-) توسيع الشراكات الاقتصادية: أوضح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن روسيا تعمل على توسيع الشراكات الاقتصادية مع الدول الإفريقية، إذ إنها تُقدم منحًا لـ16 دولة إفريقية. إضافة إلى ذلك، أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خطة عمل الشراكة للفترة 2027-2029، باعتبارها إطارًا لتعزيز الشراكة الاستراتيجية بين روسيا والدول الإفريقية، وتطوير مجالات التعاون المشترك. ومن ناحية أخرى، أشار رئيس الاتحاد الإفريقي إلى أن إفريقيا تسعى إلى تعزيز علاقات الصداقة مع روسيا.

(-) زيادة التعاون في مجال الطاقة: أكد بوتين أن موسكو تعمل على توسيع التعاون في بناء محطات الكهرباء، وتحديث المنشآت القائمة، وتطوير حلول لتوفير الطاقة للمناطق النائية، وهو ما أوضحه الرئيس عبد الفتاح السيسي أيضًا في كلمته، إذ أشار إلى أن الرؤية المصرية للتنمية في إفريقيا ترتكز على تعزيز التعاون في مجال الطاقة والربط الكهربائي. وأشار بوتين في هذا الاتجاه إلى أن قطاع الطاقة يُمثل مجالًا تتكامل فيه إمكانات روسيا وإفريقيا، وأن تعزيز إمدادات الطاقة في الدول الإفريقية من شأنه دعم التصنيع، وتطوير المدن الحديثة، وتحسين الخدمات الاجتماعية، وتوسيع الاقتصاد الرقمي.

وأوضح أن روسيا، عبر شركة "روس هيدرو"، مستعدة للمساعدة في تصميم منشآت جديدة وتحديث محطات الطاقة القائمة، فضلًا عن تطوير أنظمة محلية محدودة الحجم لتوليد الكهرباء؛ لتلبية احتياجات المناطق الإفريقية المعزولة عن شبكات الإمداد الرئيسية، ما يُشير إلى دعم روسيا وصول الدول الإفريقية إلى مصادر طاقة منخفضة التكلفة ومستدامة وصديقة للبيئة، إلى جانب المساهمة في تطوير أسواق الطاقة المحلية والاستفادة من التقنيات الروسية في هذا المجال.

(-) دعم إقامة الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية: تُعد الممرات الاستراتيجية والمناطق اللوجستية أحد المحاور الرئيسية لتحقيق التكامل الاقتصادي وزيادة التجارة البينية في القارة، وهو ما أكده الرئيس السيسي في كلمته، إلى جانب تأكيد الرئيس بوتين، الذي أوضح استعداد روسيا لتقديم حلول متكاملة لتطوير الممرات اللوجستية في إفريقيا، تشمل تصميم وبناء وتحديث السكك الحديدية والطرق البرية والخطوط البحرية ومراكز النقل.

ويأتي ذلك إلى جانب تجهيزها بأنظمة رقمية لإدارة حركة البضائع وتتبعها والتصريح الجمركي. وأشار إلى أن موسكو طورت أدوات تمويلية تتضمن دعمًا حكوميًا لإنشاء مستودعات ومراكز للنقل والتوزيع والخدمات اللوجستية، فضلًا عن مواقع للتجميع والصيانة تُديرها شركات روسية في الدول الإفريقية.

الشكل (1): حجم سوق الشحن والخدمات اللوجستية في مصر (بالمليار دولار)- المصدر: مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء

ومن الجدير بالذكر أن وزارة النقل المصرية تعمل على هذا الملف بشكل كبير، وهو ما يتضح من أرقام الشكل (1)، إذ بلغ حجم سوق الشحن والخدمات اللوجستية في مصر 10.93 مليار دولار عام 2025، ومن المتوقع أن يرتفع إلى 14.66 مليار دولار في عام 2031. ويبرز في هذا السياق الممر اللوجستي الدولي التنموي الثامن "برنيس- أسوان- توشكى- شرق العوينات- الكفرة- إنجامينا"، الذي يمتد حتى مدينة دوالا بالكاميرون، بإجمالي طول يقارب 4300 كيلومتر، ليكون أول ممر لوجستي يربط شرق إفريقيا بغربها، وبالتالي يُخفض زمن نقل البضائع والتجارة بين مصر وتشاد من نحو ثلاثة أشهر إلى أسبوع واحد.

(-) توسيع العلاقات المصرفية: أكد بوتين أهمية تطوير قنوات مستدامة للتسويات المالية بالعملات الوطنية، وتوسيع العلاقات المصرفية بين روسيا وإفريقيا، بما في ذلك فتح فروع للبنوك في الجانبين، واستخدام آليات بديلة لنقل المعلومات المتعلقة بالمدفوعات.

وأشار إلى نظام نقل الرسائل المالية التابع للبنك المركزي الروسي، إلى جانب نظام المدفوعات الإفريقي الموحد، إذ اعتبر أن توسيع استخدام هذه الآليات يمكن أن يُخفض تكاليف المعاملات ويُقلل تعرض التحويلات المالية للتدخلات السياسية الخارجية. ومن ناحية أخرى، أوضح أن اعتماد بعض الدول الإفريقية على الأنظمة المالية الغربية يحد من استقلالها المالي، داعيًا إلى تطوير بنية مصرفية تتيح للدول الإفريقية إدارة معاملاتها التجارية والمالية بقدر أكبر من الاستقلالية.

(-) زيادة معدل التجارة: تطرقت كلمة الرئيس السيسي إلى مبدأ زيادة التجارة البينية الإفريقية باعتباره أحد المحاور المهمة للرؤية المصرية للتنمية في إفريقيا، وهو ما أكده رئيس الاتحاد الإفريقي، الذي أشار إلى أن منطقة التجارة الحرة الإفريقية لديها فرص مهمة لتعزيز سلاسل القيمة المضافة، وأن إفريقيا تسعى إلى تحويل القارة إلى سوق حقيقية للإنتاج والتصدير، وهو ما سيتم من خلال شراكة حقيقية مع روسيا وغيرها من الدول الأخرى.

(-) إعلاء التعاون التعليمي والثقافي: يحتل التعاون التعليمي والثقافي موقعًا مهمًا في قمة روسيا وإفريقيا، إذ أشار بوتين إلى أن عدد الطلاب الأفارقة الدارسين في روسيا ارتفع منذ عام 2020 بمقدار مرة ونصف، بينما تضاعف عدد المنح الدراسية الروسية المخصصة للطلاب الأفارقة بنحو ثلاث مرات. إضافة إلى ذلك، تستقبل الجامعات الروسية حاليًا نحو 40 ألف طالب من الدول الإفريقية، وزادت الحصص المخصصة للمنح الدراسية للعام الأكاديمي 2026-2027 إلى 5500 مقعد.

وأوضح أن الجامعة الشبكية الروسية الإفريقية، التي تعمل تحت إشراف وزارة التعليم والعلوم الروسية منذ عام 2021، تضم أكثر من 70 جامعة من 17 دولة إفريقية، واستفاد من برامجها التعليمية أكثر من ألف طالب إفريقي.

(-) التركيز على الأمن المائي: ركز الرئيس السيسي على محور الأمن المائي باعتباره أحد محددات التنمية والنمو داخل الدول، موضحًا أن مصر تولي أهمية خاصة لتعزيز التعاون في حوكمة الأنهار العابرة للحدود، وفقًا لقواعد القانون الدولي، وفي مقدمتها مبدأ عدم الإضرار، والإخطار المسبق، والتشاور، والتوافق. كما أوضح أن المياه العابرة للحدود يجب أن تكون جسرًا للتعاون والتفاهم بين الشعوب، لا سببًا للتوتر والنزاع، الأمر الذي يدل على الحكمة السياسية في صناعة القرار المصري في العديد من المسائل الاستراتيجية.

الانعكاسات الاقتصادية

تنطوي قمة روسيا وإفريقيا على مجموعة من الانعكاسات الاقتصادية، تتمثل في:

(-) تحسين موازين المدفوعات: إن الرسائل التي تضمنتها القمة بشأن توسيع التعاون في مجالي الطاقة والممرات اللوجستية، إضافة إلى الرغبة في توسيع التجارة، تعمل على تخفيف الضغط على موازين مدفوعات الدول الإفريقية، إذ يرتفع العجز في هذه الموازين بسبب ارتفاع فاتورة الواردات، خاصة واردات الطاقة. فعندما تعمل روسيا على توسيع التعاون في مجال الطاقة بالدول الإفريقية، لا سيما الطاقة المتجددة، فإن جزءًا من الواردات المخصصة لاستيراد النفط بأسعار مرتفعة سيتقلص، وبالتالي ينخفض العجز في موازين مدفوعات الدول الإفريقية.

(-) زيادة التعاون التكنولوجي: يحتل الحديث عن المحور التكنولوجي ركنًا مهمًا في القمة، فقد أشار الرئيس السيسي إلى أهمية تعزيز التعاون في مجال الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي. ومن ناحية أخرى، أوضح بوتين استعداد موسكو لتبادل خبراتها في مجال استخدام التكنولوجيا في الإدارة الحكومية مع الدول الإفريقية الراغبة في ذلك، مشيرًا إلى أن الأنظمة الرقمية يمكن أن تسهم في تحسين كفاءة الإدارة العامة، وزيادة الإيرادات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات، الأمر الذي يوضح أن التعاون التكنولوجي بين روسيا والدول الإفريقية سيزداد خلال الفترة المقبلة.

(-) دعم العملات الوطنية: إن ما تطرحه القمة من آليات دولية بديلة للمدفوعات، بما يحد من الضغوط على العملات الوطنية للدول الإفريقية، يمكن أن يسهم في الحفاظ على قيمة هذه العملات أمام العملات الأجنبية، فسعر الصرف من المشكلات التي تؤرق الدول الإفريقية بسبب هيمنة الدولار على العلاقات الدولية. وبالتالي، فإن التحرر النسبي من هذه الهيمنة سيدعم عملات الدول الإفريقية، ما يؤدي إلى تقوية اقتصاداتها وتعزيز نموها المستدام.

(-) ارتفاع مستوى التعليم: يُعتبر التعليم أحد المحددات الأساسية لنمو الدول في الوقت الحالي، فالدول التي تنخفض فيها مستويات التعليم ستكون غير قادرة على مواكبة تطورات النمو التكنولوجي المتسارعة بشكل كبير. وبالتالي، فإن ما أوضحه بوتين بشأن إطلاق برنامج جديد خلال العام الجاري لتعويض الطلاب الأفارقة عن تكاليف السفر والإقامة والطعام والدراسة في روسيا سيفتح الطريق أمام تزايد البعثات الإفريقية إلى روسيا.

كما يأتي تأسيس جامعة شبكية روسية إفريقية للنقل، تضم نحو 40 مؤسسة تعليمية من روسيا و13 دولة إفريقية، بهدف تطوير التدريب وتبادل الخبرات في قطاع النقل، بمثابة ربط بين التعليم وتنمية القطاعات داخل الدول الإفريقية، فنقل الخبرات الروسية إلى الدول الإفريقية عن طريق تعليم شعوبها أحدث طرق الإنتاج سينعكس إيجابًا على اقتصاداتها بشكل كبير.

(-) تطوير قطاع الصحة: يتأثر النشاط الاقتصادي داخل الدول بصحة مواطنيها، فالشخص السليم القادر على العمل يُسهم بشكل كبير في نمو دولته. وبالتالي، فإن إبداء بوتين استعداد بلاده لتوسيع التعاون في إنتاج الأدوية واللقاحات الروسية محليًا، وإنشاء المختبرات ومراكز التشخيص، وتطوير حلول الطب الرقمي بما يتناسب مع الاحتياجات المحلية للدول الإفريقية، يعمل على تطوير القطاع الصحي داخل الدول الإفريقية بشكل كبير.

وفي السياق ذاته، تُسهم روسيا في تطوير هذا القطاع بشكل كبير، فالبرنامج الذي تُنفذه الهيئة الروسية المعنية بحماية المستهلك والرقابة الصحية "روس بوتريب نادزور" يستهدف تعزيز الشراكة مع الدول الإفريقية في مجال الأمن الصحي ومكافحة الأمراض المعدية. كما تسلمت ثماني دول إفريقية، في إطار البرنامج، 15 مختبرًا متنقلًا لمكافحة الأوبئة، فيما تلقى نحو 450 متخصصًا إفريقيًا تدريبًا في هذا المجال، وقررت روسيا تمديد البرنامج إلى عام 2029.

في النهاية، يمكن القول إن قمة روسيا وإفريقيا تُعقد في مرحلة زمنية تتسم بتوترات جيوسياسية كبيرة، فالعالم أجمع أصبح يبحث عن علاقات دولية أكثر عدلًا وتوازنًا. ووفقًا لما أكده الرئيس السيسي، فإن نجاح الشراكة الروسية الإفريقية يُقاس بقدرتنا على تحويل التفاهمات السياسية والاقتصادية إلى نتائج عملية ومشروعات مستدامة. وتُعد هذه القمة جسرًا حيويًا لزيادة العلاقات بين القارة الإفريقية وروسيا، ما ينعكس إيجابًا على القارة بأكملها.