لم تكن كل الأغاني التي غنتها إليسا عن الوجع مجرد كلمات اختارتها بعناية لتلامس قلوب المحبين، فخلف صوتها الذي اعتاد الجمهور أن يسمعه محملًا بالشجن، كانت هناك حكايات من الألم لم تكن كلها قابلة للغناء، وتجارب قاسية احتاجت منها إلى قدر كبير من القوة حتى تتمكن من تجاوزها.
في 27 أكتوبر، تحتفل إليسا بعيد ميلادها، لكن المناسبة تفتح الباب أمام حكاية أبعد من سنوات العمر والنجاح والشهرة؛ حكاية امرأة واجهت المرض، واصطدمت بأسئلة مؤجلة عن الأمومة والوحدة والثقة في الآخرين، وظلت تحاول أن تجد طريقها وسط كل ذلك، حتى أصبحت قصتها واحدة من أكثر الحكايات الإنسانية تأثيرًا في مسيرتها الفنية.
خبر غير حياتها
في ديسمبر 2017، اكتشفت إليسا إصابتها بسرطان الثدي في مرحلته الأولى، بعدما خضعت لفحوصات طبية في بيروت، وكان الخبر كفيلًا بأن يغير تفاصيل حياتها، ويضعها أمام تجربة لم تكن تعرف كيف ستنتهي، لكنها اختارت ألا تسمح للخوف بأن يوقفها عن ممارسة حياتها.
وبعد أيام قليلة من معرفتها بالمرض، أحيت إليسا حفل رأس السنة في دبي، بينما بدأت يناير 2018، رحلة العلاج الإشعاعي، في وقت فضلت فيه إبقاء تفاصيل ما تمر به بعيدًا عن الأضواء، ولم تكن ترغب في أن يتحول مرضها إلى مصدر قلق لجمهورها.
لكن الألم لم يكن يظهر دائمًا في الكلمات التي تقولها أو في ملامحها أمام الكاميرات. وفي فبراير 2018، سقطت إليسا على المسرح خلال حفلها في القرية العالمية بدبي، وأرجعت الوعكة وقتها إلى انخفاض ضغط الدم. وفي تلك المرحلة، كانت تخوض رحلة علاج شاقة، تحاول خلالها التوفيق بين متطلبات جسدها والتزاماتها الفنية.
أغنية تحكي الحقيقة
لم تختر إليسا أن تعلن انتصارها على السرطان من خلال بيان مقتضب أو مؤتمر صحفي، بل قررت أن تحكي تجربتها بطريقتها، عبر الموسيقى والصورة.
في أغسطس 2018، طرحت كليب أغنية "إلى كل اللي بيحبوني"، الذي استعانت فيه بتسجيلات صوتية حقيقية لها وهي تبكي، بجانب مشاهد وثقت جانبًا من معاناتها مع المرض، بمشاركة أشخاص كانوا قريبين منها خلال تلك الفترة.
لم تكن الأغنية مجرد عمل جديد في مسيرتها، بل رسالة شكر إلى الذين وقفوا بجانبها، ومحاولة لتحويل تجربة شخصية شديدة الخصوصية إلى حكاية يمكن أن تمنح الأمل لآخرين يواجهون المرض نفسه.
وبهذا العمل، كشفت إليسا لجمهورها ما كانت تخفيه عنهم، وأعلنت تعافيها من السرطان، لتتحول تجربتها إلى مساحة للتوعية بأهمية الكشف المبكر، وتصبح قصتها مرتبطة لدى كثيرين بالشجاعة والقدرة على مواجهة الخوف.
لكن الانتصار على المرض لم يكن نهاية كل ما يؤلمها.
ألم الأمومة المؤجلة
في تجربتها الوثائقية "It's OK"، فتحت إليسا أبوابًا أخرى من حياتها، وتحدثت عن جوانب شخصية لا تتعلق بالشهرة أو النجاح أو المرض وحده، من بينها حلم الأمومة الذي لم يتحقق بالطريقة التي تمنتها.
وفي حديثها عن أنجيلا السيسي، مديرة أعمالها والمقربة منها، كشفت إليسا كيف تحولت العلاقة بينهما إلى رابطة تتجاوز حدود العمل، خصوصًا خلال فترة إصابتها بالسرطان.
كانت أنجيلا إلى جوارها في المستشفى، ترافقها خلال زيارات الأطباء، وتساندها في الأيام الصعبة، حتى أصبحت إليسا تنظر إليها باعتبارها ابنتها. وحكت عن اهتمامها بها، وعن احتفالهما بعيد الأم، مشيرة إلى أنها وجدت في هذه العلاقة قدرًا من الحنان والقرب عوّضها عن جانب من حلم الأمومة.
الثقة بعد الخذلان
ومن بين التفاصيل التي كشفتها إليسا في الفيلم الوثائقي، حديثها عن ثقتها الكبيرة في أنجيلا، التي تتولى إدارة جوانب مالية من حياتها، بعدما تعلمت من تجارب الحياة أن الشهرة لا تضمن للإنسان الأمان، وأن النجاح لا يعني بالضرورة القدرة على الاطمئنان إلى كل من حوله.
كانت إليسا حريصة على حماية ما جمعته من عملها، وألا تجد نفسها في يوم من الأيام مضطرة إلى طلب المساعدة من الآخرين. وخلف هذا الحرص، بدت صورة فنانة تدرك أن الأضواء قد تمنح صاحبها الكثير، لكنها لا تحميه من القلق أو الخوف من المستقبل.
هكذا، لم تقتصر رحلتها مع الألم على تجربة المرض، بل امتدت إلى مخاوف إنسانية تتعلق بالوحدة والثقة والحاجة إلى وجود شخص يمكن الاتكاء عليه عندما تتراجع القدرة على التحمل.