بين خشبة المسرح التي منحتها فرصة اكتشاف موهبتها، وشاشة السينما التي جعلت ملامحها حاضرة في ذاكرة الجمهور، عاشت عايدة عبدالعزيز رحلة فنية لم تعتمد فيها على كثرة الظهور بقدر ما استندت إلى قدرتها على ترك أثر في كل شخصية تؤديها.
وفي ذكرى ميلادها، تعود حكايات الفنانة التي بدأت مشوارها من عالم التعليم، قبل أن تقودها المصادفات إلى الفن، لتصبح واحدة من الوجوه التي يصعب نسيانها.
حكاية البداية
لم تكن عايدة عبد العزيز تعرف الكثير عن التمثيل في سنواتها الأولى، رغم أن الطريق الذي قادها إليه بدأ خلال عملها بالتدريس.
وتحكي الفنانة الراحلة عن اللحظة التي فُتحت أمامها باب الفن، قائلة: "كنت أدرس في معهد التمثيل، وأعمل مدرسة، حين أخبرتني الناظرة بوجود نشرة تفيد بأن من يرغب في التمثيل عليه التوجه إلى إحدى المدارس في جاردن سيتي، وهناك التقيت ممدوح أباظة، الذي أخبرني بأنني سأمثل، رغم أنني لم أكن أعرف شيئًا عن التمثيل، وكل ما أعرفه عنه هو مسرح السامر الذي كان يأتي إلى قريتنا لتقديم العروض المسرحية والأغاني".
لكن تلك المعرفة المحدودة لم تمنعها من خوض التجربة، فسرعان ما وجدت نفسها أمام فرصة غير متوقعة، كان عليها أن تستغلها رغم عدم استعدادها الكامل لما ينتظرها.
وتواصل حديثها عن التحاقها بمعهد التمثيل، قائلة: "التحقت بمعهد التمثيل، وقبل ذلك ذهبت إلى المسرح القومي، حيث التقيت عددًا من كبار الفنانين، فنادوا اسمي وسألوني: ماذا ستقدمين؟ فأجبت بأنني لا أعرف، فسألوني إن كنت أجيد الغناء، فأجبت بنعم، وغنيت "مصر التي في خاطري"، فقالوا لي إنني سألتحق بالمعهد، وهكذا دخلت بأغنية وتخرجت الأولى على دفعتي".
حب من المعهد
لم يكن المعهد مجرد محطة لتعلم أصول التمثيل بالنسبة إلى عايدة عبدالعزيز، بل شهد أيضًا بداية حكاية حب جمعتها بالمخرج المسرحي أحمد عبدالحليم، الذي أصبح شريك حياتها ورافقها في رحلتها الفنية والإنسانية.
وتروي عايدة عبدالعزيز تفاصيل لقائهما، قائلة: "تعرفت على زوجي، المخرج أحمد عبدالحليم، في المعهد، كان هو وقتها في السنة الرابعة، ونشأت بيننا قصة حب وتزوجنا".
وبعد الزواج، انتقلت التجربة إلى مرحلة جديدة، إذ سافرت رفقة زوجها إلى لندن، حيث واصلت التعلم والتدريب على فنون الحركة المسرحية والصوت، قبل أن تعود إلى القاهرة عام 1967، لتستأنف نشاطها الفني وتواصل بناء تجربتها على خشبة المسرح.
المسرح أولًا
لم يكن المسرح مجرد بداية في حياة عايدة عبدالعزيز، بل ظل المساحة التي ارتبطت بها تجربتها الفنية ارتباطًا وثيقًا. فمن خلاله قدمت أعمالًا متنوعة، من بينها "دائرة الطباشير" و"طائر البحر" و"المهاجر" و"السيرك الدولي" و"الست هدى"، لتؤكد حضورها في تجربة مسرحية امتدت لسنوات.
وكانت مشاركاتها المسرحية سببًا في حصولها على تكريم خلال مهرجان المسرح التجريبي عام 1996، تقديرًا لما قدمته من أعمال وإسهامات في الحركة المسرحية المصرية.
أدوار صنعت الذاكرة
انتقلت عايدة عبدالعزيز إلى السينما في وقت مبكر، إذ شاركت في فيلم "صراع الأبطال" للمخرج توفيق صالح عام 1962، ثم توالت تجاربها التي كشفت عن قدرتها على التنقل بين الشخصيات المختلفة، سواء في الأعمال الاجتماعية أو الدرامية أو الكوميدية.
لكن شخصية "عدلات" في فيلم "النمر والأنثى" ظلت من أبرز المحطات التي ارتبط بها اسمها لدى الجمهور. ففي الفيلم الذي جمعها بعادل إمام وآثار الحكيم، قدمت شخصية امرأة قوية تدير تجارة المخدرات، وتمكنت من منحها ملامح خاصة جعلتها حاضرة في ذاكرة المشاهدين حتى بعد مرور سنوات طويلة على عرض العمل.
ولم يتوقف رصيدها السينمائي عند هذا الدور، إذ شاركت في أفلام من بينها "يوميات نائب في الأرياف" و"خرج ولم يعد" و"سوبر ماركت" و"كشف المستور" و"بوابة إبليس"، بجانب "الواد محروس بتاع الوزير".
وفي التلفزيون، تنوعت مشاركاتها بين أعمال تركت حضورًا واضحًا، مثل "زينب والعرش" و"ضمير أبلة حكمت" و"هالة والدراويش" و"يوميات ونيس" و"الفرار من الحب" و"كناريا وشركاه" و"موجة حارة"، لتظل تجربتها ممتدة بين أجيال مختلفة من المشاهدين.
سنوات بعيدة عن الأضواء
على المستوى الشخصي، ارتبطت حياة عايدة عبدالعزيز بزوجها أحمد عبدالحليم، الذي شاركها الاهتمام بالمسرح والفن، قبل أن يرحل عام 2013، لتفقد شريكًا جمعتهما سنوات من الحب والعمل والتجارب المشتركة.
وفي السنوات التالية، ابتعدت تدريجيًا عن الأضواء، وغابت عن النشاط الفني الذي شغل جانبًا كبيرًا من حياتها، حتى رحلت عام 2022، بعد صراع مع المرض عن عمر ناهز 92 عامًا.