شهدت بعض البورصات العربية تراجعًا كبيرًا في مؤشراتها الرئيسية مع بداية جلسات الأسبوع الحالي من عام 2026، بسبب التوترات الجيوسياسية التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، خاصةً الحرب الأمريكية الإيرانية. ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى تراجع ثقة المستثمرين في مستقبل هذه الاقتصادات في ظل الاضطرابات الحالية، إذ تُعد أسواق المال شديدة التأثر بأي أحداث سياسية أو اقتصادية.
تأسيسًا على ما سبق، يتطرق هذا التحليل إلى التعرف على حجم التراجع في البورصات العربية، فضلًا عن توضيح أسباب هذا التراجع الكبير وتداعياته.
حجم التراجُع
لم يكن التراجع في أداء البورصات العربية بالنسبة نفسها في مختلف الدول، بل شهدت بعض البورصات تراجعًا أكبر من غيرها، كما يوضح الشكل (1). ويمكن توضيح ذلك من خلال النقاط التالية:
(-) السوق السعودية: تراجع المؤشر العام للسوق السعودية "تاسي" بنسبة 2.7% في جلسة 25 أكتوبر 2026، واستمر الانخفاض في الجلسات الأولى من يوم 26 أكتوبر 2026، إذ تراجع المؤشر إلى نحو 9390 نقطة، مسجلًا انخفاضًا تجاوز 3%. وشهدت جلسة التداول هبوطًا في أسهم أكثر من 260 شركة سعودية، بما في ذلك شركات كبرى مثل أرامكو السعودية، ومصرف الراجحي، والبنك الأهلي السعودي، وشركة أكوا باور.
يأتي هذا التراجع بعد ثمانية أسابيع متتالية من الخسائر، وهي أطول سلسلة من التراجعات الأسبوعية يشهدها سوق الأسهم السعودي منذ عام 1994. وكان المؤشر أُغلق في الأسبوع الماضي عند مستوى 9695.86 نقطة، منخفضًا بنحو 4.1%.
ولكن في ظل الجهود الدبلوماسية السعودية الرامية إلى خفض التصعيد الإقليمي، ومع زيارة وزير الدفاع السعودي إلى طهران ضمن تحالف مكة، ارتدت سوق الأسهم السعودية بقوة، مسجلةً أكبر مكسب يومي منذ 24 سبتمبر 2025، مع ارتفاع جميع القطاعات وتعويضها خسائر تداولات الأمس، إذ قفز المؤشر الرئيسي "تاسي" بنسبة 3.4%، وشملت المكاسب جميع قطاعات السوق؛ حيث ارتفع قطاع الطاقة بنسبة 1.7% بدعم من أرامكو، وقطاع البنوك بنسبة 2.8% بقيادة الراجحي، فيما صعد قطاع المواد الأساسية بنحو 5%، مدعومًا بقفزة سهم معادن بنسبة 7.3%، ما يوضح الارتباط الكبير بين الأحداث الحالية في الشرق الأوسط وأداء البورصات.
(-) البورصة المصرية: تعرضت البورصة المصرية لخسائر كبيرة خلال التداولات، ففي 25 أكتوبر 2026، تراجع المؤشر الرئيسي EGX30 بنحو 5.4%، فيما هبط مؤشر EGX70 للأسهم الصغيرة والمتوسطة بنسبة 11.37%، كما انخفض مؤشر EGX100 الأوسع نطاقًا بنسبة 10%. وتراجعت أسهم 205 شركات، مقابل ارتفاع عدد محدود من الأسهم، كما تقلصت القيمة السوقية للأسهم المقيدة إلى نحو 3.69 تريليون جنيه، بما يعادل نحو 67.09 مليار دولار، وفقًا لسعر صرف يقارب 55 جنيهًا للدولار.
وفي ختام تعاملات الاثنين 26 أكتوبر 2026، تباين أداء مؤشرات البورصة المصرية؛ حيث تراجع مؤشر EGX30 بنسبة 1.66%، فيما ارتفع مؤشر EGX70 بنسبة 0.23%، بينما انخفض مؤشر EGX100 بنسبة 0.24%. وبالنسبة إلى حركة الأسهم، تراجعت أسعار 133 سهمًا، مقابل ارتفاع أسعار 84 سهمًا، فيما استقرت أسعار 10 أسهم دون تغيير.
(-) بورصة البحرين: انخفض مؤشر البحرين العام، 25 أكتوبر 2026 بنسبة 0.2%، كما انخفض 26 أكتوبر بنسبة 0.15%. وجاء هذا التراجع بضغط من قطاعات المال والاتصالات والمواد الأساسية؛ حيث تراجع سهم بنك البحرين الإسلامي بنسبة 1.52%، وسهم بنك السلام بنسبة 0.94%، كما تراجع سهم بنك البحرين والكويت بنسبة 0.72%.
ومن الجدير بالذكر أن التراجع جاء ضمن سلسلة من الخسائر امتدت تسع جلسات متتالية، بسبب ضغوط بيعية طالت أسهمًا عدة في قطاعات المال والاتصالات والمواد الأساسية، لينخفض المؤشر العام بنسبة 0.15% وسط تداولات محدودة نسبيًا.
أسباب التراجع
يرجع التراجع الكبير في أسعار الأسهم بالبورصات العربية إلى العديد من الأسباب، التي تتمثل فيما يلي:
(-) التوترات الجيوسياسية: إن الأحداث في منطقة الشرق الأوسط تُعتبر السبب الرئيسي وراء تراجع أداء الأسهم في معظم البورصات العربية، فتصاعُد المواجهات في اليمن، والمخاوف بشأن المنشآت النفطية والممرات البحرية، فضلًا عن إمكان تجدُد الضربات الأمريكية على إيران، دفعوا المستثمر إلى إعادة تقييم المخاطر وتقليل حيازتهم من الأسهم، كما أن القيود الكبيرة التي يفرضها عدم الاستقرار الإقليمي على حركة الصادرات والواردات وحركة السفن في الممرات البحرية الرئيسية، مثل قناة السويس ومضيق هرمز ومضيق باب المندب، تؤثّر على مسار الاقتصاديات والتوقعات المُستقبلية لها.
(-) ارتفاع أسعار النفط: يؤثر ارتفاع أسعار النفط العالمية، كما يوضح الشكل "2"، على توقعات المستثمرين بشأن أسعار الفائدة الفيدرالية؛ فالارتفاع المحتمل في هذه الأسعار قد يدفع المستثمرين إلى التخارج من الأسواق العربية والتوجه إلى السوق الأمريكية للاستفادة من الفروق في أسعار الفائدة. وارتفع سعر النفط من نحو 96 دولارًا للبرميل، 29 سبتمبر 2026، إلى نحو 115 دولارًا، 26 أكتوبر 2026، بينما ارتفع إلى نحو 116 دولارًا للبرميل، 27 أكتوبر الجاري، وحتى وقت كتابة هذا التحليل.
وعلى الرغم من أن ارتفاع أسعار النفط يؤدي إلى ارتفاع قيمة أسهم الشركات النفطية في البورصات الخليجية، باعتبار أن دول الخليج من الدول المصدرة للنفط، فإن ارتفاع سعر النفط وحده لا يكفي أحيانًا لدعم البورصة، إذ قد يضع المستثمر في مقدمة أولوياته المخاطر الأمنية واحتمالات تعطل الإنتاج والنقل، وتأثير التوترات على الاقتصاد والشركات، عند اتخاذ قراره الاستثماري في سوق الأوراق المالية.
أما بالنسبة إلى الدول المستوردة للنفط، فإن فاتورة استيراد الطاقة تضغط بشكل كبير على احتياطياتها الأجنبية، ما ينعكس سلبًا على سوق الأوراق المالية وسعر الصرف داخل الدولة.
(-) انحسار السيولة: يعتمد أداء سوق الأوراق المالية بدرجة كبيرة على حجم السيولة المتاحة فيه؛ فضغوط البيع الجماعي للأسهم بهدف توفير السيولة النقدية تتسبب في خسائر كبيرة للبورصة. فعلى سبيل المثال، إذا أعلنت الدولة عن طرح جديد في البورصة، فمن المحتمل أن تؤدي عمليات البيع المفاجئة للأسهم، بهدف شراء أسهم الطرح الجديد، إلى تراجع المؤشرات الرئيسية للبورصة.
تداعيات اقتصادية
يترتب على تراجع أداء البورصات العربية مجموعة من التداعيات الاقتصادية، التي تتمثل في النقاط التالية:
(-) ارتفاع تكلفة تمويل الشركات: إن انخفاض تقييمات الشركات المُدرجة في أسواق الأوراق المالية من المُمكن أن يؤدي إلى جعل إصدار أسهم جديدة أقل جاذبية أو أكثر تكلفة من حيث التخفيف في حصص المساهمين الحاليين، ما قد يؤثر على خطط التوسع وزيادة الإنتاج، خاصة لدى الشركات التي تعتمد على الأسواق المالية في تمويل نموها، ففي الأسواق المتقدمة والناشئة أصبحت أسواق المال مصدرًا رئيسيًا لتمويل عمليات الإنتاج داخل الدولة، وهو الاتجاه السائد في الوقت الحالي، وبالتالي فتراجع أداء هذه الأسواق في الدول العربية سيؤثر على قدرتها في تمويل التوسعات الإنتاجية للعديد من الشركات.
(-) تأثُر الاقتصاد الحقيقي: يهتم الاقتصاد الحقيقي بالسلع والخدمات، وتوظيف العمالة، وتحقيق الدخول، والاستثمار في الأنشطة الإنتاجية. وبالتالي، فإن تراجع البورصة يؤثر سلبًا على الاقتصاد الحقيقي؛ إذ يؤثر انخفاض أسعار الأسهم على التمويل المتاح للشركات المدرجة في البورصة، ما قد يدفعها إلى تأجيل التوسع وشراء المعدات وإنشاء المصانع.
ومن ناحية أخرى، يؤثر تراجع مؤشرات البورصة على التشغيل والنمو، من خلال التأثير على إتاحة التمويل داخل الدولة، أو تأجيل الاستثمارات، وبالتالي فقد يتراجع التوظيف ومعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي.
(-) تراجُع الانفاق الاستهلاكي: يؤثر انخفاض أسعار الأسهم على زيادة وتيرة بيع المستثمرين لأسهمهم، كما يترتب عليه تراجع إنفاق المستهلكين، وهو ما يُعرف بـ"تأثير الثروة"، إذ إن انخفاض أسعار الأسهم يقلل القيمة السوقية لثروات حامليها، وقد يغير توقعاتهم المالية، ما يضغط على الإنفاق الاستهلاكي. ويضر ذلك بمبيعات الشركات وإيراداتها، وقد يدفعها إلى خفض تكاليف العمالة، ما يؤثر على معدلات البطالة داخل الدولة.
وفي النهاية يُمكن القول إن أسواق الأوراق المالية العربية تشهد ضغوطًا إقليمية كبيرة، وهو ما ينبع من طبيعة هذه الأسواق التي يرتبط انتعاشها بمستويات الاستقرار المحلية والإقليمية والعالمية. فالتشابك بين هذه المستويات هو ما يخلق التأثير التراكمي على أسواق الأسهم المختلفة. ولكن، على الرغم من ذلك، فإن ما يستدعي القلق هو استمرار تدهور أسعار الأسهم داخل البورصات العربية لفترات طويلة، إذ تختلف التداعيات الاقتصادية للتدهور المستمر عن تلك المترتبة على التدهور المؤقت لفترة زمنية قصيرة.