تشهد الساحة المالية الدولية تحولًا استراتيجيًا لافتًا في إدارة احتياطيات الذهب العالمية، بسبب تصاعد التوترات الجيوسياسية والنزاعات التجارية عبر الأطلسي التي يقودها دونالد ترامب، وكانت سببًا في إثارة تخوفات حول مدى جدوى الحصانة الأمريكية للاحتياطيات الاستراتيجية.
وتُعتبر مدينة نيويورك، وتحديدًا خزينة بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، العاصمة الاقتصادية والخزينة الأكبر للذهب في العالم على مدار العقود الماضية، حيث اكتسبت سمعة الملاذ الآمن المفضل للدول والبنوك المركزية عالميًا، خاصة عقب الحرب العالمية الثانية.
مكان حفظ الذهب
في الوقت الحالي، لم تعد مسألة اختيار مكان حفظ الذهب مجرد إجراء تقني بحت، بل باتت تخضع لحسابات المخاطر السياسية وإظهار السيطرة الوطنية، وهو ما دفع عددًا من البنوك المركزية حول العالم، وفي مقدمتها حلفاء بارزون للولايات المتحدة، إلى نقل سبائكها الذهبية خارج نيويورك أو إعادة توزيعها جغرافيًا.
وبحسب تحليل نشرته مؤسسة GIS المتخصصة في التحليلات الجيوسياسية، قام البنك المركزي الهولندي بعملية إعادة توزيع واسعة، شملت نقل نحو 86 طنًا متريًا من الذهب بين شهري مارس وأغسطس من المنشآت الأمريكية والكندية إلى لندن وهولندا.
وأرجع البنك هذا الإجراء مباشرة إلى ارتفاع حدة المخاطر الجيوسياسية ورغبته في رفع جاهزيته لمواجهة الأزمات وتحسين سيولة احتياطياته وقابليتها للتداول، وبموجب هذا التعديل، قام البنك ببيع 59 طنًا في نيويورك واستبدالها بما يعادلها في العاصمة البريطانية لندن.
دول أوروبية تسحب مخزوناتها
إلى جانب نقل أكثر من 27 طنًا فعليًا إلى منشأته المحلية في "زايست"، وأسفرت هذه التحركات عن ارتفاع حصة لندن من الاحتياطي الهولندي إلى 32%، لتتجاوز حصة المقر المحلي البالغة 31%، في حين تراجعت حصة نيويورك وأوتاوا إلى 18.5% من إجمالي احتياطي البنك البالغ 612 طنًا.
ولم تكن الخطوة الهولندية سوى جزء من سياق أوروبي أوسع، إذ أقدم بنك فرنسا، بين يوليو 2025 ويناير 2026، على بيع 129 طنًا من السبائك القديمة غير القياسية المحفوظة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهو ما يمثل نحو 5% من إجمالي احتياطياتها.
بعد ذلك، قامت الحكومة الفرنسية بشراء كميات مماثلة من السبائك المضمونة، جرى تخزينها مباشرة في باريس، لينتهي الأمر بسحب آخر جرامات الذهب الفرنسي من نيويورك، وليصبح الاحتياطي الفرنسي البالغ 2437 طنًا مخزنًا بالكامل داخل البلاد.
ورغم تأكيد المسؤولين الفرنسيين أن الإجراء تقني يستهدف مواكبة معايير النقاء الحديثة، فإنه جاء بالتزامن مع توترات تجارية ومخاوف متزايدة حول موثوقية حفظ الأصول في واشنطن، خاصة بعد واقعة تجميد الاحتياطيات الروسية عام 2022.
الاستقلالية الاستراتيجية
وعلى المنوال نفسه، كانت ألمانيا قد أعادت بين عامي 2013 و2017 نحو 674 طنًا من الذهب من نيويورك وباريس إلى فرانكفورت، ورغم احتفاظ الاحتياطي في نيويورك بنحو 1236 طنًا، تُمثل 37% من الاحتياطي الألماني، تزايدت الضغوط السياسية والاقتصادية الداخلية الداعية لإعادة باقي الكمية.
وفي هذا السياق، أكد إيمانويل مونش، الرئيس السابق لقسم الأبحاث في البنك المركزي الألماني، أن الاحتفاظ بهذه الحصة الكبيرة من الذهب داخل الولايات المتحدة بات يحمل مخاطر عالية، مشددًا على أن البيئة الراهنة تتطلب تعزيز الاستقلالية الاستراتيجية لبلاده.
يأتي ذلك في الوقت الذي تواجه فيه إيطاليا وضعًا مشابهًا في ظل استمرار تخزين 43% من احتياطياتها في الولايات المتحدة، حيث تتعرض الحكومة الإيطالية، وفقًا للتحليل، لضغوط داخلية هائلة لاستعادة احتياطياتها من الذهب.
ولا تقتصر حركة إعادة توزيع الذهب على القارة الأوروبية، بل تمتد لتشمل دولًا أخرى كالهند والصرب والنمسا وبولندا، حيث تتضافر عوامل متعددة تقود هذا التوجه.
هل تفقد أمريكا مكانتها؟
ووفقًا لتحليل الخبراء، فإنه على الرغم من أن سوق لندن لا تزال تُعتبر الأكثر كفاءة وسيولة لتداول الذهب المادي، فإن المخاوف الجيوسياسية وتجربة تجميد الأصول الروسية أظهرت للدول أن الأصول المودعة بالخارج قد تتأثر بالقرارات السياسية وقت الأزمات.
ولكن في الوقت نفسه، رأى المحللون الاستراتيجيون أن تراجع الحيازات الذهبية في نيويورك لا يعني انهيارًا وشيكًا لدور الدولار أو السندات الأمريكية، ولكنه يعكس رغبة حقيقية من الدول في التحوط وتجربة مسارات متعددة، من بينها زيادة نسبة الذهب في محافظ البنوك المركزية واختبار ترتيبات دفع غير دولارية.
وتتوزع التوقعات المستقبلية لهذا الملف بين سيناريو ترجيحي يتوقع استمرار التنويع التدريجي وتوزيع المخاطر بعيدًا عن نيويورك، وسيناريو أقل احتمالًا يتعلق بتسارع عمليات السحب في حال فرض عقوبات جديدة أو اندلاع نزاعات مباشرة، بينما يبقى سيناريو العودة إلى الثقة المطلقة السابقة هو الأقل احتمالًا في ظل المناخ السياسي الراهن.