تسمح ثغرات الرقابة في صناعة الذهب العالمية بمرور كميات من المعدن النفيس المستخرج بطرق غير مشروعة إلى الأسواق الرئيسية، رغم وجود منظومة اعتماد دولية يفترض أن تمنع وصول الذهب المرتبط بالجريمة المنظمة واستغلال الأطفال وانتهاكات حقوق الإنسان والتدمير البيئي.
ختم الثقة
وكشف تحقيق أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية أن رابطة سوق لندن للمعادن الثمينة (LBMA)، التي تقدم نفسها بوصفها "السلطة العالمية للمعادن الثمينة"، سمحت مرارًا بدخول ذهب مستخرج على أيدي مجرمين وأفراد عصابات وأطفال إلى سلاسل التوريد، مستفيدًا من قواعد تتسم بالغموض والاستثناءات، ومن ضعف تطبيق المعايير التي يفترض أن تضمن سلامة مصادره.
وتتمتع رابطة سوق لندن للمعادن الثمينة بنفوذ واسع في سوق الذهب الدولية، إذ تعتمد الحكومات والمؤسسات المالية على معاييرها بوصفها مؤشرًا على أن الذهب لم يُستخرج عبر انتهاكات لحقوق الإنسان أو تدمير البيئة أو أنشطة إجرامية أو خرق للعقوبات المالية.
كما أن قدرة سوق لندن للمعادن الثمينة (LBMA) على إدراج الشركات في القائمة السوداء تجعلها أقرب إلى جهة تنظيمية دولية في صناعة تُقدّر قيمتها بتريليونات الدولارات.
67 مصفاة
وتعتمد السوق الدولية الرئيسية على السبائك المنتجة في 67 مصفاة معتمدة من الرابطة، التي تشترط توثيق مصدر كل أونصة من الذهب داخل كل سبيكة، إلى جانب إخضاع المصافي لعمليات تدقيق مستقلة للتحقق من عدم ارتباط مورديها بجرائم أو انتهاكات تتعلق بالأطفال أو عقوبات مالية.
وتتولى الرابطة تمويل أنشطتها وإدارتها بمشاركة أبرز اللاعبين في صناعة الذهب، ومن بينهم شركات تكرير كبرى مثل "أساهي"، ومؤسسات مالية مثل "إتش إس بي سي" و"مورجان ستانلي" و"جيه بي مورجان" و"دويتشه بنك".
ورغم أن الحكومات الوطنية تنظم عمليات التعدين داخل أراضيها، فإن غياب اعتماد الرابطة يجعل بيع الذهب في أكبر الأسواق العالمية أمرًا بالغ الصعوبة، وهو ما يمنح معاييرها تأثيرًا مباشرًا في حركة المعدن النفيس، لكنه يثير تساؤلات بشأن مدى قدرتها الفعلية على منع الذهب غير المشروع من الوصول إلى المشترين.
معايير بلا رقابة
تُظهر نتائج التحقيق، بحسب الصحيفة، فجوة بين الدور الذي تعلنه الرابطة لنفسها وآليات عملها الفعلية، فبدلًا من إجراء عمليات تفتيش مباشرة وشاملة للمناجم، تعتمد الرابطة بدرجة كبيرة على شركات التكرير في فحص مصادر الذهب وتقديم المعلومات المتعلقة بسلاسل التوريد.
وتتضح هذه الفجوة عند مقارنة تصريحات مسؤولي الرابطة العلنية بما ورد في وثائق قضائية بلندن، فقد قالت رئيسة مجلس الإدارة، روث كرويل، عبر الموقع الإلكتروني للمؤسسة: "نحن المنظمة التي تضع المعايير والتي تحدد كيفية تكرير المعادن الثمينة، وكذلك كيفية تداولها في جميع أنحاء العالم".
لكن الرابطة رفضت هذا الوصف في وثائق دعوى رفعها مواطنون تنزانيون ضدها على خلفية أعمال عنف وقعت في أحد المناجم، وجاء في موقفها القضائي أن الادعاء بأنها المنظمة التي تحدد كيفية تكرير المعادن الثمينة وتداولها حول العالم "مرفوض".
وفي عام 2024، كتبت كرويل أن الرابطة تضع المعايير التي تغطي ما بين 85 و90% من إنتاج الذهب العالمي، في المقابل، وصفت المؤسسة نفسها أمام المحكمة بأنها "منظمة صغيرة غير ربحية"، وقالت إنها لا تمتلك العدد الكافي من الموظفين أو الخبرة أو الموارد لتحمل مسؤولية ما يحدث داخل مناجم الذهب.
وفي مقابلة وتصريح مكتوب، أكدت كرويل أن الرابطة تُلزم المصافي باتباع "أعلى مستوى من المبادئ التوجيهية الدولية"، لكنها قللت من نطاق مسؤوليتها، موضحة أن دورها يتمثل في تحديد ما هو مقبول لدخول سوق معينة، بينما تقع مسؤولية الإشراف على القطاع على عاتق الحكومات.
الذهب القذر
لم تقتصر المخاوف على ضعف آليات التدقيق، بل امتدت إلى حالات قالت الصحيفة إنها تكشف وصول الذهب المستخرج بطرق غير قانونية إلى سلاسل توريد مرتبطة بمؤسسات كبرى.
فقد أدى ارتفاع الأسعار إلى ازدهار التعدين غير القانوني في مناطق مختلفة من العالم، بالتزامن مع أدلة على استخدام عائدات الذهب في تمويل جماعات مسلحة وأنشطة ملوثة للبيئة في منطقة الأمازون.
ومن بين الحالات التي أوردها التحقيق، بيع عمال مناجم مرتبطين بعصابة مخدرات كولومبية ذهبًا وصل إلى سلسلة توريد دار سك العملة الأمريكية عبر مصفاة معتمدة من رابطة سوق لندن للمعادن الثمينة.
وفي بابوا غينيا الجديدة، شهد منجم غير قانوني نشاطًا مكثفًا خلال الشهر الذي أُعد فيه التحقيق، مع وجود عمالة أطفال. وأوضح أحد المديرين للصحيفة إيصالًا قال إنه يثبت بيعه الذهب إلى شركة تابعة لمصفاة رئيسية معتمدة من الرابطة.
وتقول الرابطة إنها تحظر الذهب الذي "من المحتمل أن يضر بصحة الأطفال أو سلامتهم أو أخلاقهم"، غير أن الحالات التي رصدها التحقيق تثير تساؤلات بشأن مدى فاعلية هذه القواعد في منع وصول الذهب المستخرج في ظروف مخالفة إلى الأسواق المعتمدة.
الأسعار توسع الانتهاكات
ساهم الارتفاع الكبير في أسعار الذهب في جعل عمليات التعدين غير الفعالة والمدمرة للبيئة أكثر ربحية، فقبل عقدين، عندما كان سعر الأونصة نحو 600 دولار، لم يكن من المجدي اقتصاديًا إرسال سفن التعدين إلى أعماق غابات الأمازون أو استخدام الجرافات لتجريف مساحات واسعة من الحقول بحثًا عن المعدن النفيس.
أما هذا العام، فقد تجاوز سعر الأونصة حاجز 5000 دولار، ما عزز الجدوى الاقتصادية لعمليات استخراج الذهب التي تتطلب أساليب مكلفة ومدمرة، وقد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي.
عصابات إجرامية
وفي ظل غياب ضوابط فعالة، اتجهت عصابات إجرامية إلى توسيع أنشطتها من تجارة الكوكايين إلى الذهب، فيما دخلت جماعات إرهابية هذا المجال، واستخدمت دول المعدن النفيس لدعم حكومتيها في الحروب.
ويخلص تحقيق "نيويورك تايمز" إلى أن الفصل بين الذهب "النظيف" والذهب "الملوث" لا يعكس بالضرورة ما يحدث داخل سلاسل التوريد، إذ يمكن أن يصل الذهب المستخرج بطرق غير مشروعة إلى الأسواق الرئيسية عبر المصافي المعتمدة، بينما تحقق المؤسسات المالية والمستثمرون أرباحًا من المعدن المتداول، بصرف النظر عن الظروف التي استُخرج فيها.