بينما لا تزال جمرات الاحتجاجات مشتعلةً في الشوارع الفرنسية، مع خروج أكثر من 400 ألف شخص في مظاهرات، يوم السبت، وحده للتنديد بارتفاع تكاليف المعيشة وتردي الخدمات العامة، اختارت زعيمة اليمين المتشدد مارين لوبان هذه اللحظة المشحونة منصةً لإطلاق حملتها الرئاسية الرابعة، رافعةً راية الوحدة الوطنية ومُقدِمةً نفسها المنقذةَ التي طال انتظارها، في هذا الصدد ترصد وول ستريت جورنال تفاصيل هذا الإطلاق الذي يُؤشر على مرحلة جديدة في مسيرة أكثر الشخصيات إثارةً للجدل في السياسة الفرنسية المعاصرة.
المدينة التي أُعيد فيها رسم التاريخ
لم يكن اختيار مدينة أورليان عشوائيًا، ففي هذه المدينة التي رفعت فيها جان دارك حصار الإنجليز عام 1429 في إحدى أشهر صفحات التاريخ الفرنسي، وقفت لوبان أمام آلاف مؤيديها تستلهم الرمز وتُعلن مشروعها، إذ تحدثت عن نهضة فرنسية شاملة تستعيد أمجاد الحضارة الإنسانية والعصر الذهبي الأوروبي، في خطاب وصفه عدد من المحللين المقربين، وفق ما أوردت وول ستريت جورنال، بأنه يحمل روح شعار "لنجعل أمريكا عظيمةً مجددًا" الذي رفعه الرئيس دونالد ترامب.
وقالت لوبان في عبارة باتت الأكثر تداولًا من خطابها، نسبتها إلى مثل هندي: "لستُ اليمين ولا اليسار، أنا الطائر"، في إشارة صريحة إلى طموحها في تجاوز خندق الاستقطاب الحزبي والوصول إلى قلب الناخب الفرنسي في كل مكان.
برنامج اجتماعي واقتصادي
على الصعيد البرامجي، جاءت وعود لوبان جامعة بين أجندتين كثيرًا ما تتعارضان، إذ تعهدت برفع أجور العمال وتعزيز منظومة الحماية الاجتماعية وضمان الاستقرار الوظيفي، وفي الوقت ذاته أعلنت عن خفض الضرائب على الشركات وتخفيف عبء ضريبة الميراث وضبط الإنفاق العام.
وأكدت أن مشروعها لن يُفرق بين الموظف والمستثمر، ولا بين عامل القطاع العام ورجل الأعمال.
وللتدليل على جدية هذا التوجه، أعلنت لوبان تخليها عن قيادة الكتلة البرلمانية لحزبها اليميني المتشدد "التجمع الوطني"، وكشفت أنها ستُشكِّل حكومة وحدة وطنية يتولى رئاستها رئيس الحزب جوردان بارديلا، في رسالة مفادها أن المرحلة القادمة تستدعي تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة.
الاحتجاجات في الخلفية
لم تبتعد لوبان كثيرًا عن المشهد الملتهب في الشوارع، فبينما كانت تتحدث عن الوحدة والنهضة، كان صدى أعمال الشغب والنهب التي اندلعت قبل أسبوع يُلقي بظلاله على قاعة الاحتفال، وهي تعهدت بسياسة "لا تسامح" مع مثيري الشغب والناهبين، وتساءلت باستنكار: "من يستطيع القول إن دولة القانون قائمة حين تنهب قطعان من الناس المحلات أمام أعين الشرطة المُكبَلة؟" وهو خطاب يُمثل رسالةً مزدوجة، تطمين لقاعدتها التقليدية التي تُولي الأمن أولويةً قصوى، واستقطابًا لشريحة أوسع من الناخبين المنهكين من حالة الفوضى.
وفي السياق ذاته، كان المحتجون يرفعون لافتاتهم ضد غلاء المعيشة وتدهور الخدمات، بينما تواصلت مناوشات متفرقة مع الشرطة في عدة مناطق، في امتداد لموجة قلق اجتماعي لم تهدأ بعد.
استطلاعات في صالحها
تدخل لوبان هذا السباق من موقع قوة لم تبلغه من قبل، فهي تتصدر استطلاعات الدور الأول بفارق واضح عن جميع منافسيها، كما تتقدم في بعض استطلاعات الدور الثاني على المرشحين المُحتملين، إذ اظهر استطلاع إيبسوس الصادر يوم السبت، الذي نقلته وول ستريت جورنال، أن تقييم الناخبين لأدائها إبان الأزمة الأخيرة كان الأعلى بين جميع الساسة الفرنسيين.
غير أن الاضطرابات الأخيرة لم تُضف لرصيدها ناخبين جدد، إذ تراوحت نسبتها بين 32% و33.5% في استطلاعات الدور الأول، بما يُشبه أرقامها قبل اندلاع الأحداث.
أما على الصعيد القانوني، فتخوض لوبان حملتها وسيف الإدانة مسلطًا فوق رأسها، إذ أيّدت محكمة استئناف فرنسية حكمًا صدر ضدها في يوليو الماضي بتهمة الاستخدام غير المشروع لملايين اليوروهات من أموال البرلمان الأوروبي، وإن ظل تنفيذ الحكم موقوفًا ريثما تبُت المحكمة العليا في الطعن المُقدَم.
فضلًا عن ذلك، يُرى أن صورتها لا تزال مثيرةً للانقسام لدى شرائح واسعة من الفرنسيين، الذين يرفضون رفضًا قاطعًا فكرة وصول حزب "التجمع الوطني" اليميني المتشدد إلى الإليزيه، وهو الإرث الثقيل الذي ورثته عن والدها المؤسس جان-ماري لوبان.