عززت كوريا الشمالية قدراتها العسكرية مستفيدة من تعاونها المتنامي مع روسيا، لا سيما في مجال الطائرات المُسيَّرة والصواريخ، وسط مخاوف من أن يؤدي انتقال الخبرات القتالية والتقنيات المستخدمة في الحرب الروسية الأوكرانية إلى تغيير ميزان الردع في شبه الجزيرة الكورية، ودفع كوريا الجنوبية والولايات المتحدة إلى إعادة تصميم دفاعاتهما لمواجهة أسلحة أقل تكلفة وأكثر قدرة على اختراق أنظمة الاعتراض.
وأظهرت تطورات التعاون بين موسكو وبيونج يانج أن الشراكة لم تعد مقتصرة على تبادل الأسلحة والذخائر، بل امتدت إلى نقل الخبرات الصناعية والتدريب العسكري وتطوير أساليب الهجوم، في وقت كثفت فيه كوريا الجنوبية استثماراتها في الصواريخ فرط الصوتية والأسلحة التقليدية المتقدمة، بحسب تقرير نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية.
قدرات المُسيَّرات
استفادت بيونج يانج من تجارب الحرب في أوكرانيا والشرق الأوسط، التي أظهرت قدرة الطائرات المُسيَّرة منخفضة التكلفة على إنهاك أنظمة الدفاع الجوي المتطورة والمكلفة، إذ نفذت كوريا الشمالية تدريبات الشهر الماضي استخدمت خلالها أسرابًا من المُسيَّرات لمهاجمة جزيرة مستهدفة، بالتزامن مع إطلاق صواريخ كروز وصواريخ باليستية من اتجاهات متعددة.
وتوقع خبراء دفاع أن تفرض التكتيكات الكورية الشمالية الجديدة أعباء مالية كبيرة على سول وحلفائها، الذين سيحتاجون إلى تطوير وسائل اعتراض أكثر كفاءة للتعامل مع هجمات تجمع بين كثافة المُسيَّرات وتعدد مسارات الصواريخ.
وقال هونج مين، الباحث في المعهد الكوري للتوحيد الوطني في سول، إن الفجوة بين تكلفة الهجمات منخفضة السعر والدفاعات باهظة التكلفة مرشحة للاتساع.
خبرات روسية
وسَّعت روسيا تعاونها في مجال المُسيَّرات من خلال الاستعانة بعمال كوريين شماليين في مصانع إنتاج الطائرات الهجومية من طراز "جيران-2" في منطقة ألابوجا الصناعية بإقليم تتارستان، بينما أوفدت موسكو ضباطًا إلى كوريا الشمالية لتدريب مشغلي المُسيَّرات، وفق مسؤولين أوكرانيين وتقارير رقابية دولية.
وقدرت الاستخبارات العسكرية الأوكرانية عدد العمال الكوريين الشماليين الذين جرى تخصيصهم للعمل في مجمع ألابوجا بنحو 12 ألف شخص، في حين حذرت مجموعة دولية لمراقبة العقوبات من أن توسع مشاركة العمال الكوريين الشماليين في الصناعات الدفاعية الروسية يزيد احتمالات انتقال خبرات وتقنيات عسكرية حساسة إلى بيونج يانج.
وعكست صور رسمية من زيارة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، لأحد مصانع المُسيَّرات في سبتمبر الماضي تقدم عمليات الإنتاج، بعدما أظهرت طائرات مصطفة داخل منشأة صناعية، في مؤشر على انتقال البرنامج الكوري الشمالي من تطوير النماذج إلى توسيع التصنيع، بالتوازي مع الاستفادة المحتملة من الخبرات الروسية في إنتاج المُسيَّرات بكميات كبيرة.
توازن الردع
طورت كوريا الشمالية خلال السنوات الماضية وسائل لتقليل قدرة خصومها على اكتشاف صواريخها واعتراضها، من بينها منصات إطلاق متحركة مخبأة في الأنفاق وصواريخ تطلق من الغواصات، فضلًا عن الانتقال من الوقود السائل إلى الوقود الصلب لتقليص زمن تجهيز الصواريخ للإطلاق.
وحذر كيم يونج هو، المدير السابق للاستخبارات الإستراتيجية بوزارة الدفاع الكورية الجنوبية، من أن تطور الصواريخ القادرة على حمل رؤوس تقليدية أو نووية سيجعل تحديد طبيعة الرأس الحربي والهدف من الهجوم أكثر صعوبة استنادًا إلى عملية الإطلاق وحدها، وهو ما يزيد مخاطر سوء التقدير واتخاذ قرارات عسكرية متسرعة خلال الأزمات.
وفي المقابل، واصلت كوريا الجنوبية تعزيز إستراتيجية الردع القائمة على ثلاثة محاور تشمل الضربات الاستباقية والدفاع الصاروخي والرد واسع النطاق، كما اختبر الرئيس الكوري الجنوبي لي جاي ميونج، في أكتوبر الجاري، أول صاروخ فرط صوتي محلي الصنع، في خطوة عكست سعي سول إلى تعزيز استقلالها الدفاعي وتطوير قدراتها على مواجهة التهديدات المتصاعدة.
سباق تسلح
كثفت سول تطوير ترسانتها الصاروخية، بما في ذلك صاروخ "هيونمو-5"، الذي وصفته وسائل إعلام محلية بأنه "الوحش"، وتشير تقارير إلى قدرته على حمل رأس حربي خارق للتحصينات يزن نحو ثمانية أطنان، ومصمم لاختراق المنشآت العميقة تحت الأرض، في إطار إستراتيجية تستهدف تحييد مراكز القيادة والمنشآت العسكرية الكورية الشمالية في حال اندلاع حرب.
وبعد أربعة أيام من تفقد "لي" هذا الصاروخ، أطلقت كوريا الشمالية صاروخًا صنفه محللون ضمن الأسلحة الخارقة للتحصينات، ويُعتقد أنه قادر على حمل حمولة تصل إلى 2.5 طن، وهي قدرة كبيرة نسبيًا بالنسبة إلى الصواريخ الباليستية قصيرة المدى، ما عكس استمرار المنافسة بين الجانبين على تطوير أسلحة قادرة على تدمير المنشآت المُحصَّنة.
واعتمدت كوريا الجنوبية كذلك على طائرات الاستطلاع والأقمار الصناعية بالتعاون مع الولايات المتحدة لمراقبة أنشطة الصواريخ الكورية الشمالية، بينما أعلنت تعهدها بزيادة الإنفاق الدفاعي من 2.8% إلى 3.5% من الناتج المحلي الإجمالي، في خطوة تستهدف تعزيز القدرات العسكرية وتقليل الاعتماد على القوات الأمريكية، رغم استمرار التعاون الأمني الوثيق بين البلدين.
وفي المقابل، أثار إعلان كوريا الشمالية اكتمال هيكل ما وصفته بغواصة تعمل بالطاقة النووية ومزوَّدة بصواريخ مخاوف إضافية، بينما لا تزال كوريا الجنوبية تتفاوض مع واشنطن بشأن الحصول على الوقود اللازم لمشروع غواصة مماثلة تأمل بناءها بحلول منتصف ثلاثينيات القرن الحالي، في مؤشر على اتساع المنافسة البحرية بين الطرفين.
وتجاوزت مخاطر التعاون الروسي الكوري الشمالي حدود شبه الجزيرة الكورية، إذ حذرت الباحثة لامي كيم، المتخصصة في الشؤون الكورية بالمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن، من أن مساعدة موسكو بيونج يانج على تطوير قدرات نووية قادرة على استهداف الأراضي الأمريكية قد تضعف مصداقية الردع النووي الأمريكي، لأن واشنطن ستواجه حينها احتمال تعريض مدنها لهجمات نووية في حال تدخلها للدفاع عن كوريا الجنوبية، وهو ما يجعل الشراكة بين موسكو وبيونج يانج عاملًا مؤثرًا في حسابات الأمن الإقليمي والدولي.