يخوض الفيلم المصري القصير "الخبيث" للمخرج جاد شاهين تجربته العالمية الأولى في مهرجان الجونة السينمائي، مستكشفًا تعقيدات الطبيعة البشرية وتداخل الحب والخوف والعنف، وسط استعدادات المخرج لمشروعات سينمائية جديدة.
أوضح المخرج والمؤلف جاد شاهين، لموقع "القاهرة الإخبارية"، أن "الخبيث" يمثل امتدادًا لأسئلة إنسانية وفنية بدأ استكشافها في تجربته السينمائية السابقة، مؤكدًا أن بعض الأفكار تظل مفتوحة ولا تنتهي بالضرورة مع نهاية العمل، ما دفعه إلى العودة إليها ومحاولة التعمق في أبعادها من خلال فيلمه الجديد.
أشار شاهين إلى أن الفكرة بدأت مع فيلمه الأول، إذ كان يسعى إلى التعبير عن مسألة اعتقد في البداية أنه سيتمكن من حسمها مع نهاية العمل، لكنه اكتشف أنها لا تزال تحمل جوانب تستحق الاستكشاف، فقرر مواصلة البحث فيها من خلال "الخبيث".
وأضاف أن هذه الرحلة الفكرية والفنية ربما تستمر في أعمال مقبلة، موضحًا أنه لا يعرف حتى الآن متى سيصل إلى نهاية الأسئلة التي تشغله.
ويرى المخرج أن هذا التناقض يمثل أحد أبرز ملامح الطبيعة البشرية، لا سيما عند تناول العلاقات التي تجمع بين التعلق العاطفي والرغبة في الحماية والسلوكيات المؤذية، وهي علاقات قد تبدو سامة، لكنها في الوقت نفسه تحمل تفاصيل إنسانية تجعل فهمها أكثر تعقيدًا من مجرد إصدار أحكام أخلاقية على أصحابها.
وفي تناوله لشخصية "فتحي"، شدد شاهين على أن الفيلم لا يتمحور حول الرجولة بمفهومها التقليدي، وإنما يقترب من الجانب الهش والحساس داخل الرجل، والمشاعر الحنونة التي قد تظهر في لحظات الخوف، حتى إن لم يكن قادرًا على التعبير عنها بصورة مباشرة.
ويحرص شاهين على تقديم الشخصية بعيدًا عن التصنيفات الجاهزة، فلا يضعها في خانة الشر المطلق أو الخير المطلق، بل يسعى إلى جعلها قريبة من تجارب البشر وتناقضاتهم، بحيث يجد المشاهد شيئًا منها في أشخاص عرفهم من قبل، وربما في نفسه أيضًا.
وأكد أن الشخصيات التي يفضل تقديمها سينمائيًا هي تلك التي تشبه البشر في واقعهم، بما يحملونه من تناقضات ومشاعر متعارضة، مشيرًا إلى أن العلاقات الإنسانية قد تجمع بين الحب والأذى، وأن فهمها يتطلب النظر إلى تفاصيلها بدلًا من الاكتفاء بوصفها بأنها علاقات جيدة أو سيئة.
يحمل عنوان الفيلم دلالة ترتبط بطبيعة المرض الغامض الذي يشكل نقطة انطلاق الأحداث، لكنه يتجاوز وظيفته المباشرة ليصبح مدخلًا إلى العالم النفسي الذي يرسمه العمل.
وأوضح شاهين أن الاسم لافت ويحمل وقعًا حادًا على المتلقي، إذ يوحي في حد ذاته بوصف سلبي أو اتهامي، ما يتناسب مع ما يسعى الفيلم إلى بنائه.
وأشار إلى أن مرض الخبث يمثل العامل الذي تتكشف من خلاله جوانب متعددة من الشخصيات، إذ تبدأ آثاره في الجسد، ثم تتحول إلى مصدر للقلق والترقب، في انتظار اللحظة التي تصبح فيها علاماته ظاهرة للآخرين.
لا يسعى شاهين إلى دفع الجمهور نحو التعاطف المطلق مع "فتحي"، كما لا يريد أن يخرج المشاهد من الفيلم وهو يكرهه بصورة قاطعة، بل يطمح إلى خلق حالة من التوتر والارتباك العاطفي تدفع المتلقي إلى مواجهة مشاعر قد تكون غير مريحة، لكنها تظل جزءًا من التجربة الإنسانية.
ويعتقد المخرج أن قوة الشخصية تكمن في قدرتها على إثارة مشاعر متناقضة لدى الجمهور، إذ لا يكون الحكم عليها أمرًا سهلًا أو مباشرًا، خصوصًا في اللحظات التي تكشف احتياجها إلى الحماية، رغم ما قد يصدر عنها من سلوكيات تثير القلق.
تدور أحداث "الخبيث" في قرية صيد يضربها وباء غامض يستهدف النساء، ليجد "فتحي" نفسه في مواجهة صراع بين خوفه على من يحبهم وما تفرضه عليه الظروف من أفعال، في سياق تتشابك فيه المشاعر الإنسانية وتصبح الحدود الفاصلة بين الخير والشر أقل وضوحًا. ويشارك في بطولة الفيلم عزيز الجزار، وهبة خيال، وندى فوزي، وهناء المصري.
كما تطرق شاهين إلى رأيه في واقع الأفلام القصيرة وفرص وصولها إلى الجمهور، معتبرًا أن هذا النوع السينمائي يتمتع بدرجة كبيرة من الحرية، لأنه ليس مرتبطًا بالضرورة باشتراطات العرض التجاري في دور السينما، الأمر الذي يمنح المخرجين مساحة أوسع للتجريب وتقديم أفكار قد لا تكون مألوفة أو مريحة للمشاهد التقليدي.
وأشار إلى أن صناع الأفلام القصيرة يتطلعون بطبيعة الحال إلى تحقيق عائد مادي من أعمالهم، إلى جانب توسيع قاعدة جمهورهم، لافتًا إلى أن المنصات الرقمية والمهرجانات السينمائية تتيح فرصًا لوصول هذه الأعمال إلى المشاهدين.
وأوضح أن مهرجانات مثل الجونة ومهرجان القاهرة السينمائي، إلى جانب المهرجانات الدولية، تمثل منافذ مهمة لعرض الأفلام القصيرة أمام جمهور مهتم بالسينما، مؤكدًا أن القيمة الأساسية لهذا النوع تكمن في قدرته على منح المخرج حرية أكبر في التجربة، سواء على مستوى الشكل أو الموضوع أو المعالجة الفنية.
ويرى شاهين أن هذه الحرية تجعل الفيلم القصير مساحة مناسبة لاختبار أفكار وأساليب سينمائية جريئة، قد لا تجد فرصتها بالقدر نفسه في الأعمال الموجهة إلى دور العرض التجارية.
وعلى صعيد مشروعاته المقبلة، كشف شاهين عن عمل سينمائي آخر وصل إلى مرحلة ما بعد الإنتاج، واصفًا إياه بالتجربة الخاصة للغاية، إذ يجمع بين الفيلم الوثائقي والرسوم المتحركة والفيلم القصير، في اتجاه مختلف عن أعماله الروائية السابقة.
كما يستعد لفيلم روائي طويل بعنوان "تحت السلم الأخضر"، بالتعاون مع المنتجة يارا جبران، مؤكدًا أن المشروع لا يزال في مرحلة التحضير، وأن ملامح البطولة لم تُحسم بصورة نهائية حتى الآن.