يواصل المخرج الفلسطيني راكان مياصي، شق طريقه في السينما العالمية عبر حكايات غير مألوفة، تبتعد عن القوالب السائدة وتغوص في عوالم إنسانية لم تحظَ بالتمثيل الكافي على الشاشة، وهو ما يتجلى في فيلمه الروائي الطويل الأول"Yesterday the Eye Didn’t Sleep"، الذي لفت الأنظار خلال عرضه في قسم "نظرة ما" بمهرجان "كان" السينمائي هذا العام.
وفي حوار مع مجلة "فارايتي"، بالتزامن مع مشاركة الفيلم في المسابقة الرسمية لمهرجان "الجونة" السينمائي، تحدث مياصي عن رؤيته الفنية، واختياره تقديم حكاية تدور داخل مجتمع بدوي في منطقة البقاع اللبنانية، بعيدًا عن الموضوعات التي اعتادت السينما اللبنانية تناولها، وفي مقدمتها الحرب الأهلية وتداعياتها.
ويستمد الفيلم، المستوحى من جدته، حكايته من مصير امرأتين تتحولان إلى رهينتين في نزاع دموي بين عشيرتين، ضمن معالجة بصرية وشاعرية تمزج بين الواقعية والخيال، وتستفيد من إيقاع بصري وحسي خاص، تأثر فيه المخرج بأستاذه السينمائي عباس كيارستمي، مع احتفاظ العمل بلغته السينمائية المستقلة.
وأوضح مياصي أن اختياره لمجتمع البقاع جاء انطلاقًا من رفضه للأفلام النمطية، ورغبته في اكتشاف شخصيات وحكايات أكثر عمقًا وتعقيدًا، مشيرًا إلى أن المجتمعات التي لم تظهر من قبل في الأفلام تتيح فرصًا أوسع لاستكشاف تفاصيل الحياة الإنسانية.
وقال المخرج الفلسطيني: "لا أحب الأفلام التي تتبع القوالب الجاهزة، ولا أحب الطريقة التي نُقدَّم بها في الخارج، حيث يُفترض أن يتناول كل فيلم الحرب الأهلية أو مرحلة ما بعدها"، مؤكدًا أن اهتمامه ينصب على الاقتراب من مجتمعات لم تظهر سينمائيًا من قبل، لما تحمله من ثراء على مستوى الحكايات والشخصيات والحياة اليومية.
وأضاف مياصي أن الاستعانة بممثلين غير محترفين كانت جزءًا أساسيًا من رؤيته، للحفاظ على أصالة التجربة وهشاشتها، موضحًا أنه عاش في لبنان لمدة 20 عامًا، وشهدت هذه البلاد تشكّل تجربته السينمائية، رغم كونه فلسطينيًا لا يحمل الجنسية اللبنانية.
وتوقف المخرج عند أحد أبرز مشاهد الفيلم، وهو مشهد حفل الزفاف الذي وصفه بأنه مساحة للتحرر من المسار السردي التقليدي، والانتقال إلى أجواء سريالية ذات طابع شبه مخدر. وكشف أن المشهد صُوّر بصورة ارتجالية، بمشاركة راقصين لم يسبق له العمل معهم، بعدما دعا فريق الفيلم أكبر عدد ممكن من الأشخاص للمشاركة، في تجربة أضفت على المشهد طاقة وعفوية.
وأشار إلى أن المشهد صُمم ليجمع بين المتعة البصرية والتوتر العاطفي، بحيث يجد المشاهد نفسه مستمتعًا بالرقص والصورة، قبل أن يعيد التفكير في المشاعر التي أثارها المشهد وعلاقته بسياق الأحداث.
وعلى صعيد مشروعاته المقبلة، كشف مياصي أنه يستعد لاستكمال العمل على فيلم"The Passport"، وهو كوميديا سوداء عبثية تدور أحداث نصفها في غزة، وتتناول الحياة والموت.
وأوضح أن المشروع كان مقررًا أن يكون فيلمه الروائي الطويل الأول، لكنه اضطر إلى إيقافه مع بدء حرب الإبادة الإسرائيلية في فلسطين، قبل أن يعود إليه تدريجيًا، وهو الآن في مرحلة متقدمة من التطوير وبدايات التحضير للإنتاج، وتتولى إنتاجه ماي عودة، التي شاركت أيضًا في إنتاج فيلمه الحالي.
ويواصل "Yesterday the Eye Didn’t Sleep" جولته الدولية بعد اختياره للمشاركة في نحو 50 مهرجانًا سينمائيًا، بحسب مياصي، إذ يشمل برنامج عروضه خلال أكتوبر مهرجانات روما وفيناليه وبلد الوليد، إلى جانب عروض أخرى مرتقبة في جنيف مطلع نوفمبر، فضلًا عن مشاركته في مهرجان "سينيميد" بمدينة مونبلييه.
ويعكس مسار الفيلم توجه مياصي نحو سينما تبتعد عن التوقعات المألوفة، وتمنح المساحة لمجتمعات وشخصيات نادرًا ما تتصدر المشهد، في محاولة لإعادة اكتشاف الحياة من زوايا بصرية وإنسانية مختلفة.