الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

محمد فوزي.. تجربة ثرية ورحيل مبكر

  • مشاركة :
post-title
محمد فوزي

القاهرة الإخبارية - إيمان بسطاوي

صوت لا تخطئه أذن ونغمات لم يطفئها الزمن وموهبة لم تثنيها الظروف عن الظهور، فلم يكن محمد فوزي مجرد مطرب يطرب الآذان بصوته العذب، أو ملحن ينسج ألحانه بخفة وذكاء، بل كان فنانًا امتلك قدرة استثنائية على تحويل البهجة إلى موسيقى، والحكايات اليومية إلى أغانٍ تعيش في الذاكرة، والأحلام الفنية إلى مشروعات تركت أثرها في تاريخ الموسيقى والسينما المصرية. 

تجربة محمد فوزي الممتدة على مدار أقل من 5 عقود جمعت بين الغناء والتلحين والتمثيل والإنتاج، وأعماله التي لا تزال تتردد على ألسنة الأجيال، شكّلت ملامح مشروع فوزي الفني على مدار سنوات عطائه، فلم يوقفها رحيله المبكر في مثل هذا اليوم 20 أكتوبر عام 1966، وبقيت أعماله حية، تحمل بصمته وتكشف عن موهبة سبقت زمنها.

وفي ذكرى رحيله، يعود اسم محمد فوزي بوصفه أحد أبرز صناع الأغنية المصرية في القرن العشرين، وفنانًا لم يكتفِ بالنجاح أمام الكاميرا، بل سعى إلى امتلاك أدوات الصناعة الموسيقية والسينمائية، في رحلة جمعت بين الموهبة والطموح، وانتهت مبكرًا بعدما ترك إرثًا فنيًا تجاوز حدود عصره. 

ومع تأثيره الكبير لا يزال يحرص كثيرون على إحياء ذكراه، ومن بينهم المركز القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية التابع لقطاع المسرح، إذ يشهد المتحف القومي للمسرح والموسيقى والفنون الشعبية، في الخامسة مساءً اليوم الثلاثاء، إحياء ذكرى رحيله مع تقديم عدد من أغانيه وأعماله للجمهور.

البداية

رغم أن محمد فوزي عبد العال، الذي ولد في 15 أغسطس عام 1918 بإحدى القرى التابعة لمركز قطور بمحافظة الغربية، نشأ في أسرة كبيرة مكونة من 25 أخًا وأخت، ليكون ترتيبه بين أشقائه الحادي والعشرين، فإن هذا العدد الكبير لم يمنعه من شق طريقه في الفن بعدما تأثّر بأعمال محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، ثم ساعده في صقل موهبته احتكاكه المباشر بالجمهور في الأفراح والموالد، قبل أن ينتقل إلى القاهرة للدراسة بمعهد فؤاد الأول للموسيقى، لكنه لم يستكمل دراسته، ليمارس موهبته بالعمل في الفرق الغنائية، حيث جمعه تعاون مع فرقة الفنانة فاطمة رشدي.

لم تكن بدايات محمد فوزي خالية من العقبات؛ ففي عام 1938، لم ينجح في اجتياز اختبارات الإذاعة كمطرب، لكن قبوله ملحنًا فتح أمامه مسارًا مختلفًا، أتاح له تقديم موهبته من زاوية أخرى، ومهّد الطريق أمام حضوره في الوسط الفني.

وسرعان ما امتد نشاطه إلى السينما، فظهر للمرة الأولى عام 1944 في دور صغير بفيلم "سيف الجلاد"، قبل أن يخوض تجربة البطولة السينمائية من خلال فيلم "قبلة في لبنان"، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرته، جمع خلالها بين الغناء والتمثيل والتلحين.

وخلال أربعينيات وخمسينيات القرن العشرين، استطاع فوزي أن يصنع مكانة بارزة في السينما الغنائية والاستعراضية، مستفيدا من حضوره المحبب وخفة ظله وقدرته على تقديم أغانٍ تتناسب مع طبيعة الشخصيات والمواقف الدرامية، من دون أن يفقد أسلوبه الموسيقي الخاص.

فنان لم يكتفِ بالغناء

كان طموح محمد فوزي أكبر من حدود الشهرة التي حققها مطربا وممثلا؛ ففي عام 1947، أسس شركة "أفلام محمد فوزي"، ليخوض تجربة الإنتاج السينمائي، ويصبح من الفنانين الذين سعوا إلى الجمع بين الإبداع الفني وإدارة مشروعاتهم الخاصة.

وقدم خلال مسيرته عددًا كبيرًا من الأفلام، من بينها "العقل في إجازة"، و"حب وجنون"، و"غرام راقصة"، و"فاطمة وماريكا وراشيل"، و"يا حلاوة الحب".

ولم يقتصر نشاطه الإنتاجي على الأفلام التي شارك في بطولتها، بل امتد إلى أعمال أخرى، في محاولة لتوسيع نطاق تجربته داخل صناعة السينما، كما ارتبط اسمه بتجربة إنتاج فيلم مُلوَّن ولكن لم يكتمل.

ألحان صنعت هوية خاصة

في عالم التلحين، امتلك محمد فوزي لغة موسيقية مميزة، جمعت بين البساطة والابتكار، وقدمت الأغنية المصرية في قالب قريب من الجمهور، من دون أن تتخلى عن قيمتها الفنية، وتميزت ألحانه بخفة الإيقاع وسلاسة الجمل الموسيقية، إلى جانب قدرته على التنويع بين الأغنيات العاطفية والاستعراضية والأعمال الموجهة للأطفال.

ولم تقتصر موهبته على تلحين أغنياته، بل امتدت إلى عدد من كبار المطربين والمطربات، من بينهم شادية ومحمد عبد المطلب وليلى مراد، ليصبح واحدًا من الملحنين الذين أسهموا في تشكيل ملامح الأغنية المصرية خلال عصر ازدهارها.

ومن المحطات المرتبطة باسمه قصة أغنية "أنساك" لأم كلثوم، إذ بدأ محمد فوزي تلحينها قبل أن يستكمل بليغ حمدي العمل عليها، لتصبح لاحقًا واحدة من الأغنيات البارزة في رصيد كوكب الشرق.

أما رصيده الغنائي، فيضم أعمالًا متميزة من بينها "تملي في قلبي"، و"شحات الغرام"، و"داري العيون"، و"يا مصطفى"، و"كلمني طمني"، إلى جانب أغنيات الأطفال التي احتفظت بمكانتها عبر الأجيال، وفي مقدمتها "ماما زمانها جاية" و"ذهب الليل".

من أبرز المحطات التي تكشف عن اتساع تجربة محمد فوزي، تلحينه النشيد الوطني الجزائري "قسمًا" عام 1956، استنادًا إلى كلمات الشاعر الجزائري مفدي زكريا، قبل اعتماده رسميًا عام 1963.

ولم يتوقف اهتمامه بالتطوير عند التلحين، بل امتد إلى صناعة الموسيقى نفسها، من خلال تأسيس مصنع "مصر فون" للأسطوانات، في خطوة استهدفت دعم الإنتاج الموسيقي وتوسيع نطاق انتشار الأغنية، وسط تحولات شهدتها صناعة التسجيلات في المنطقة.

ورغم ما حققه من نجاح وشهرة، لم تكن حياته بعيدة عن الألم؛ ففي سنواته الأخيرة، واجه مرضًا نادرًا تسبب في تدهور حالته الصحية وفقدانه الوزن بصورة حادة، حتى وصل إلى 36 كيلوجرامًا، في رحلة علاج شاقة بحث خلالها عن فرصة للشفاء.

وسافر فوزي إلى ألمانيا والولايات المتحدة أملًا في العثور على علاج لحالته، لكن محاولاته لم تحقق النتيجة المرجوة، في 20 أكتوبر عام 1966، رحل محمد فوزي عن عمر ناهز 48 عامًا، بعد رحلة قصيرة زمنيًا، لكنها ثرية بما تركته من أعمال موسيقية وسينمائية وتجارب إنتاجية.

وبرحيله مبكرًا، فقدت الساحة الفنية واحدًا من أبرز أصحاب المواهب المتعددة، ممن استطاعوا الجمع بين الغناء والتلحين والتمثيل والإنتاج، وتركوا بصمة واضحة في أكثر من مجال.

لكن الغياب لم ينهِ حضوره؛ فقد ظلت أغنياته العاطفية والاستعراضية حاضرة في الذاكرة، واستمرت أغنيات الأطفال في الانتقال من جيل إلى آخر.