"الفصل الثاني من الثورة".. بهذه العبارة أعلنت حركة "السترات الصفراء" الفرنسية انضمامها لمظاهرات الطلاب، من أجل مواصلة التظاهرات الطلابية التي بدأت بمطالب لتحسين ظروف التعليم، ووصلت الآن إلى الاعتراض على ارتفاع أسعار البنزين والطاقة والمعيشة بشكل عام.
وأعلنت حركة السترات الصفراء، أن السبت المقبل سيكون الفصل الثاني من حركة التظاهرات الغاضبة على الأوضاع الحالية، و30 أكتوبر أيضًا سيكون الثالث، بحسب صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية.
ودخلت البرتغال وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا وإسبانيا على خط الاحتجاجات، فكيف تحولت مظاهرات طلابية إلى موجة غضب عابرة لحدود القارة العجوز؟
شرارة "باريسية"
لم تعد الاحتجاجات، وفق الصورة التي يرسمها المشهد، محصورة في مطالب تحسين ظروف التعليم، بل باتت تتقاطع مع قضايا أكثر اتساعًا، من ارتفاع أسعار الطاقة والإيجارات إلى مستقبل الشباب والحريات الشخصية. وبينما تتشابه دوافع الغضب في بعض جوانبها، تختلف أولويات المحتجين من دولة إلى أخرى، بحسب طبيعة الأزمات التي تواجهها كل منها.
عودة السترات الصفراء
يعكس انضمام "السترات الصفراء" إلى التحركات، إذا تأكد اتساع المشاركة وتداخل المطالب، احتمال انتقال الاحتجاجات من إطارها الطلابي إلى حراك اجتماعي أوسع، خصوصًا مع تقاطع مطالب الشباب مع شكاوى قطاعات أخرى من ارتفاع تكاليف الحياة.
وفي المقابل، اتهم رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو أحزاب اليسار باستغلال الاحتجاجات وتوظيفها سياسيًا، وفق ما أورده النص الأصلي، وسط تصاعد الجدل بشأن التعامل مع المظاهرات وأعمال العنف المصاحبة لها. وتظل تفاصيل الإجراءات الأمنية المعلنة، ومدى تطبيقها ونطاقها الجغرافي، بحاجة إلى التحقق من مصادر مستقلة.
المظاهرات تنتشر.. والأسباب مختلفة
لم تعد فرنسا وحدها حاضرة في مشهد الاحتجاجات، إذ تتقاطع التحركات في عدد من الدول الأوروبية مع شعور متزايد لدى الشباب بأن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية تضيق أمامهم فرص المستقبل. لكن التشابه في مشاهد الاحتجاج لا يعني بالضرورة وحدة المطالب أو وجود قيادة مشتركة بين الحركات المختلفة.
في بلجيكا، تركزت شكاوى الطلاب، على ظروف التعليم وتكاليف الالتحاق بالجامعات، في مؤشر إلى أن الأعباء المالية المرتبطة بالحصول على التعليم أصبحت جزءًا من المخاوف التي تحرك الشباب.
أما في ألمانيا، فيتجاوز الجدل حدود المؤسسات التعليمية إلى مستقبل الخدمة العسكرية. فالتوجهات الرامية إلى تعزيز القدرات الدفاعية وإعادة النظر في سياسات التجنيد تثير تساؤلات لدى الشباب بشأن حرية الاختيار ومستقبلهم المهني والشخصي.
ويرى الرافضون لفرض الخدمة العسكرية أن إلزام الشباب بها قد يقيد خططهم التعليمية والمهنية، فضلًا عن رغبتهم في الاحتفاظ بحق الاختيار. وهكذا تتخذ الاحتجاجات، في الحالة الألمانية، بعدًا يرتبط بعلاقة الفرد بالدولة وحدود الالتزامات المفروضة عليه.
ومع ذلك، فإن الربط بين هذه التحركات باعتبارها موجة أوروبية واحدة يظل بحاجة إلى أدلة توضح توقيت الاحتجاجات وحجمها ومطالب المشاركين فيها، ومدى وجود تواصل فعلي بين الحركات الشبابية في البلدان المختلفة.
وفي إيطاليا؛ شهدت مدينة ميلانو العاصمة الاقتصادية للبلاد، موجة من الاشتباكات وأعمال الشغب لثلاثة أيام على التوالي، بعدما تحولت احتجاجات على ارتفاع تكاليف المعيشة إلى مواجهات بين الشباب والشرطة، تخللتها عمليات نهب للمتاجر وتخريب للممتلكات في محيط ساحة الدومو التاريخية وسط المدينة.
وذكرت وكالة أنسا الإيطالية أن الشرطة ألقت القبض على نحو 200 شخص، منذ السبت الماضي، فيما دعت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، إلى عقد اجتماع أمني لبحث تطورات الأوضاع والتعامل مع أعمال العنف.
أزمة السكن تضغط على إسبانيا والبرتغال
في شبه الجزيرة الأيبيرية، تتصدر أزمة السكن وارتفاع الإيجارات وتكاليف المعيشة قائمة المخاوف التي تواجه الشباب. فمع تزايد الضغوط المرتبطة بتوفير مسكن مناسب، تتسع الفجوة بين دخول قطاعات من الشباب والأسعار التي يتعين عليهم تحملها.
وفي إسبانيا، ارتبطت تحركات احتجاجية خلال الفترة الماضية، بمطالب تتعلق بارتفاع الإيجارات وصعوبة الوصول إلى السكن، وهي قضية تضع الحكومات أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تحقيق التوازن بين السوق العقارية والاحتياجات الاجتماعية.
وامتدت المخاوف المرتبطة بتكاليف السكن والمعيشة إلى البرتغال، إذ تركزت مطالب شبابية على الحد من ارتفاع الإيجارات والأسعار، وتوفير ظروف اقتصادية تسمح ببناء حياة مستقرة.
ويكشف هذا المسار عن جانب مهم من أزمة الشباب الأوروبي: فالمشكلة لا تتعلق فقط بفرص العمل أو جودة التعليم، بل تمتد إلى القدرة على الاستقلال عن الأسرة، وتوفير مسكن، وتحمل النفقات اليومية. وعوامل قد تحول التذمر الفردي إلى ضغط اجتماعي وسياسي إذا لم تجد استجابة مقنعة.
الجانب الآخر من المحيط
وعلى الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، تتخذ الاحتجاجات في المكسيك مسارًا مختلفًا، يرتبط بأزمة جودة المياه وتلوثها، مع شكاوى من تدفق مياه غير نظيفة من صنابير المنازل ووجود شوائب وحشرات فيها.
وتكشف هذه المطالب عن اختلاف جوهري بين دوافع الاحتجاجات من منطقة إلى أخرى؛ ففي الوقت الذي ينشغل فيه جزء من الشباب الأوروبي بأزمات السكن والتعليم وتكاليف المعيشة، تبرز في مناطق أخرى مشكلات تتعلق بالخدمات الأساسية وجودة الحياة والصحة العامة.
وفي الحالة المكسيكية، فإن التحقق من طبيعة أزمة المياه ومناطق انتشارها، وحجم الاحتجاجات وأسبابها المباشرة، ضروري لفهم ما إذا كانت التحركات مرتبطة بأزمة محلية محددة أم تعكس غضبًا أوسع من أداء المؤسسات والخدمات العامة.
خريف أوروبي
رغم اختلاف الأسباب المباشرة للاحتجاجات، فإن ثمة قاسمًا مشتركًا يمكن رصده في المطالب المنسوبة إلى قطاعات من الشباب: الرغبة في مستقبل أكثر استقرارًا، وقدرة أكبر على تحمل تكاليف الحياة، ومساحة أوسع للاختيار والمشاركة في القرارات التي تمس حياتهم.