عاش المخرج المصري نيازي مصطفى واحدة من الرحلات الاستثنائية في تاريخ السينما المصرية، حيث امتلك شغفًا بالتجريب، وترك بصمته في عشرات الأفلام التي تنوعت بين الأكشن والكوميديا والأعمال التاريخية والاستعراضية، لتظل سيرته حاضرة بين إرث فني لا يُنسى ونهاية تكتنفها الأسئلة.
من قلب الصعيد وُلد نيازي مصطفى عام 1910، وتحديدًا في محافظة أسيوط جنوب صعيد مصر، بدأ مبكرًا في رسم طريقه نحو عالم السينما، فسافر إلى ألمانيا لاستكمال دراسته، والتحق بمعهد متخصص في فنون الفيلم، حيث تعرّف إلى جوانب مختلفة من صناعة السينما، قبل أن يعود إلى مصر حاملًا طموحًا يتجاوز حدود العمل التقليدي خلف الكاميرا.
بدأ مشواره في ستوديو مصر، حيث عمل في المونتاج، واكتسب خبرة عملية في تفاصيل صناعة الفيلم، كما عمل مساعدًا للمخرج يوسف وهبي، لتكون تلك المرحلة بمثابة إعداد حقيقي لانطلاقته الإخراجية.
وفي عام 1937، تولى إخراج فيلم "سلامة في خير"، الذي قام ببطولته الفنان نجيب الريحاني، ليبدأ مسيرة طويلة أثبت خلالها قدرته على التنقل بين الأنواع السينمائية المختلفة، وصناعة مشاهد تجمع بين الإيقاع والحركة والخيال.
لم يتوقف طموح نيازي مصطفى عند حدود الإخراج، بل سعى إلى اكتشاف إمكانات جديدة للصورة السينمائية، فسافر إلى باريس للتعرف إلى تقنيات الحيل والخدع، مستفيدًا من خبراته في أوروبا لتطوير أدواته الفنية وتوظيفها في أفلامه.
ومع مرور الوقت، ارتبط اسمه بالخدع السينمائية التي منحته مكانة مميزة في تاريخ السينما المصرية، وبرز ذلك في أعمال من بينها "سر طاقية الإخفاء"، الذي استثمر الخيال والحيل البصرية في تقديم تجربة سينمائية مختلفة، لا تزال حاضرة في ذاكرة أجيال من المشاهدين.
ولم تكن الخدع بالنسبة إليه مجرد وسيلة لإبهار الجمهور، بل أداة فنية تخدم الحكاية وتفتح المجال أمام مشاهد يصعب تحقيقها بالوسائل التقليدية، وهو ما عكس اهتمامه بالتفاصيل التقنية وقدرته على توظيفها دراميًا.
رحلة بين الأكشن والكوميديا
امتدت مسيرة نيازي مصطفى لعقود، واقترب رصيده السينمائي من مئة فيلم، تنوعت موضوعاتها وأساليبها، وعكست مرونة مخرج استطاع العمل في أكثر من اتجاه، من أفلام الحركة والجريمة إلى الكوميديا والأعمال التاريخية والدينية والاستعراضية.
ومن بين أبرز أعماله "رصيف نمرة 5"، و"أبو حديد"، و"عنتر بن شداد"، و"عنتر وعبلة"، و"أخطر رجل في العالم"، و"البحث عن فضيحة"، إلى جانب "رابعة العدوية" و"صغيرة على الحب"، وهي أفلام تكشف عن تنوع اختياراته وقدرته على التعامل مع عوالم وشخصيات مختلفة.
كما واصل نشاطه الفني خلال سنواته الأخيرة، وقدم أعمالًا من بينها "وحوش الميناء"، و"فتوة الناس الغلابة"، و"المشاغبون في الجيش"، و"التوت والنبوت"، ليظل متمسكًا بالفن حتى آخر يوم في حياته.
لم يكن رحيل نيازي مصطفى في مثل هذا اليوم، 19 أكتوبر، حدثًا عابرًا، بل حادثة مأساوية، ففي الوقت الذي احتفل فيه بانتهاء تصوير فيلم "القرداتي"، الذي قام ببطولته فاروق الفيشاوي، عُثر عليه مقتولًا عام 1986، قبل أن يشهد عرض العمل سينمائيًا.
وبينما انتهت حياة نيازي مصطفى في ظروف مأساوية غامضة، لم ينته أثره برحيله؛ فقد بقيت أفلامه شاهدة على تجربة سينمائية ثرية، جمعت بين الجرأة التقنية وتنوع الموضوعات والقدرة على مخاطبة الجمهور.