الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

استجابة مرنة.. قراءة في دلالات الدعم المصري لأمن السعودية

  • مشاركة :
post-title
العلمان المصري والسعودي

القاهرة الإخبارية - ضياء نوح

أبرزت كلمة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمام حفل تخرج الدفعة الأولى بالأكاديمية العسكرية في 17 أكتوبر 2026، توجه القاهرة نحو إبداء التضامن والدعم غير المشروطين لأمن دول الخليج العربي عامة، والمملكة العربية السعودية بوجه خاص، وهو ما اقترن بالعديد من الإشارات في كلمة الرئيس السيسي، التي جاءت خارج الخطاب الرسمي، وفي إطار مكاشفة الرأي العام المصري بشأن طبيعة الدعم الخليجي لمصر خلال سنوات الاضطراب عقب ثورتي 2011 و2013، وانتهاءً بحقبة إرهاب «الإخوان» عقب سقوط حكمهم في 3 يوليو 2026.

وتأسيسًا على ما سبق، يتناول التحليل التالي دلالات الدعم المصري لأمن المملكة العربية السعودية، وخريطة التحركات المحتملة في الأطر الدستورية الداخلية والعسكرية والدبلوماسية.

استجابة مرنة

استوفت كلمة الرئيس المصري في 17 أكتوبر 2026 العديد من المعايير التي مهّدت لطرح المساهمة في الدفاع عن المملكة العربية السعودية، تأكيدًا على الالتزام بترسيخ إرث و«عقيدة السيسي» للسياسة الخارجية، وتعريف نطاق الأمن القومي المصري، ومنها حماية أمن الخليج باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري والعربي، وهو ما عبّر عنه بصيغة أخرى في «مسافة السكة». ويُمكن الوقوف على محددات الاستجابة المصرية لمهددات الأمن السعودي على النحو التالي:

(*) حدود التفويض: تضمنت كلمة الرئيس المصري محددين رئيسيين؛ أولهما التفويض الدستوري، المتمثل في استيفاء مجلس النواب إجراءات التصويت على إرسال قوات خارج البلاد في مهام دفاعية، وفقًا لنص المادة 152 من الدستور، التي نصت على حق رئيس الجمهورية، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، في إرسال قوات في مهام قتالية خارج البلاد، بعد أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي الأعضاء، وهو ما يرتبط بجلسة المجلس يوم الأحد 18 أكتوبر 2026، التي جاءت بطلب من الرئيس عبد الفتاح السيسي. أما المحدد الثاني، فيرتبط بحجم الطلب السعودي المحتمل للحصول على دعم عسكري للدفاع عن المملكة وحماية أراضيها، وهو ما يرتبط بالمهام الدفاعية، دون شروط على حجمها أو مدى انتشارها في أراضي المملكة.

(*) سياقات الدعم العسكري: يأتي تأكيد الرئيس المصري توفير جميع أوجه الدعم الدفاعي في إطار رؤية مصرية لطبيعة تطورات الصراع في اليمن وارتداداته على أمن المملكة، إذ يشير الظرف الإقليمي إلى استمرار الانزلاق نحو مواجهة إقليمية مفتوحة السيناريوهات، مع بروز تصعيد خطير من ميليشيا الحوثي في استهداف المنشآت والأعيان المدنية، بما فيها المطارات ومنشآت الطاقة، دون وجود أفق واضح يشير إلى استعداد الميليشيا لخفض التصعيد.

وعلى الجانب الآخر، تبرز أهمية الخطوط الحمراء المصرية، التي تفصل بين دورها وسيطًا يبذل جميع المساعي الدبلوماسية لاحتواء تمدد التصعيد، ومبادئ القاهرة الراسخة، التي تنطلق من مركزية الأمن القومي العربي باعتبارها أحد أطراف صياغة معادلته وضامنًا أساسيًا للاستقرار في الشرق الأوسط، انطلاقًا من ثقلها العسكري والاستراتيجي والسياسي. وهو ما كشفه تعامل الدولة المصرية مع التطورات في ليبيا لوقف الاقتتال الداخلي، من خلال إعلان الرئيس السيسي، في 20 يونيو 2020، أن خط سرت-الجفرة خط أحمر يُمنع الاقتراب منه، ونتج عنه تفويض البرلمان للرئيس المصري، في 20 يوليو 2020، باتخاذ ما يلزم من إجراءات لحماية الأمن القومي المصري على الاتجاه الاستراتيجي الغربي.

وفي هذا السياق، جاء التوجيه الرئاسي باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة والممكنة، ووضع القدرات الدفاعية المصرية تحت تصرف قيادة المملكة، ممثلة في الملك سلمان بن عبد العزيز وولي العهد محمد بن سلمان، في سبيل حماية أراضي المملكة ومقدراتها والمقدسات الإسلامية فيها، «إذا طُلب منا ذلك»، جنبًا إلى جنب مع استمرار جميع المسارات الدبلوماسية للعودة إلى الهدوء، مقترنًا بالتحذير المصري من عدم السماح بـ«المساس بالمملكة العربية السعودية وأمنها واستقرارها».

(*) معادلة التضامن المصري الخليجي: كان من اللافت إشارة الرئيس المصري إلى السجال عبر وسائل التواصل الاجتماعي المصرية والعربية حول علاقات مصر ودول الخليج العربي، مذكّرًا بالدور التاريخي للدول الخليجية في دعم مصر عقب عام 2011 وحتى إسقاط نظام الإخوان ومواجهة إرهابه، ما تسبب في فاتورة ضخمة من الالتزامات والأعباء لتوفير الوقود اللازم للمخابز والسيارات ومحطات الطاقة، إذ لم تكن الدولة قادرة في ذلك الوقت على سدادها لولا الدعم الخليجي غير المشروط، خاصة من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة الكويت.

إلى جانب العلاقات الأخوية والتاريخية، تتشاطر مصر من جهة، والسعودية ودول الخليج العربي من جهة أخرى، رؤى متوافقة بشأن الحفاظ على استقرار المنطقة من خلال استدامة النمو الاقتصادي، وتعزيز اندماجها في سلاسل الإمداد العالمية للطاقة والتجارة، وإنهاء جميع أشكال التصعيد الإقليمي، وبقاء القضية الفلسطينية في قلب العمل العربي المشترك. إلا أن بروز تهديد جوهري لأمن الشريان الاقتصادي الخليجي المغذي لاقتصاد المنطقة يخلق حالة من الاضطراب المزمن، تخدم أجندة إعادة تشكيل الشرق الأوسط على حساب المشروع العربي، وهو خط أحمر لا يمكن أن تسمح القاهرة بتجاوزه، انطلاقًا من التزامها بحماية الأمن القومي العربي، والدفاع عن مقدرات شعوب المنطقة، وحماية المقدسات الإسلامية من أي تهديدات محتملة.

وإجمالًا، يُمكن القول إن أي تدخل مصري محتمل لدعم المملكة العربية السعودية سيقتصر على الدفاع عن الأراضي والمقدرات والمقدسات الإسلامية، في إطار إعادة بناء معادلة ردع لخفض مسار التصعيد تمهيدًا لإنهائه من جهة، وترسيخًا لـ«عقيدة السيسي» للسياسة الخارجية والأمن القومي، بالتأكيد على أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، ولا يمكن السماح ببقاء المقدسات الإسلامية والأراضي والمقدرات والبنى التحتية السعودية تحت التهديد. وهو ما يتطلب استيفاء الإجراءات السياسية والدستورية الداخلية، رهنًا بقرار القيادة السياسية، وفق تقدير موقف الدولة لخطورة التطورات الإقليمية، واستباقًا لأي طلب سعودي محتمل، بما يعكس سرعة الاستجابة ومرونتها، وتقديرًا لخطورة الظرف الراهن.