عارض الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية والكاتب والدبلوماسي العراقي حسين الهنداوي القول إن إيران هي صاحبة القرار في العراق منذ عام 2003، إلى جانب الاحتلال الأمريكي، مؤكدًا أن قوى إقليمية ودولية عدة تحاول التدخل في الشأن العراقي لتحقيق مصالحها الخاصة.
وأوضح "الهنداوي"، خلال لقائه مع الكاتب الصحفي والإعلامي سمير عمر، في برنامج "الجلسة سرية" على شاشة "القاهرة الإخبارية"، أن التدخلات في العراق لا تقتصر على إيران، بل تشمل أيضًا تركيا وإسرائيل والولايات المتحدة ودولًا أخرى، مشيرًا إلى أن كل طرف يتحرك وفقًا لمصالحه الخاصة.
وأكد أن تعدد التدخلات الإقليمية والدولية يمثل إحدى المشكلات التي يعاني منها العراق حاليًا، مشددًا على ضرورة أن يستعيد المجتمع العراقي قدرته على الوقوف على قدميه، وأن يبدأ التعامل مع هذه التحديات من خلال نظامه السياسي.
وأشار الهنداوي إلى أنه متفائل بمستقبل العراق رغم صعوبة الظروف، لافتًا إلى تواصله مع فئات عراقية مختلفة، خاصة المثقفين والمسرحيين والكتّاب والشباب، الذين يمتلكون طاقات كبيرة وطموحًا لتغيير الأوضاع سلميًا.
وأضاف أنه خلال عمله مستشارًا للإعلام والثقافة لدى الرئيس العراقي الأسبق فؤاد معصوم، بين عامي 2015 و2018، لم يكن الحضور الإيراني ظاهرًا بصورة مباشرة في المشهد العراقي، موضحًا أن النفوذ الإيراني كان حاضرًا من خلال العلاقات الخاصة والقوى السياسية المقربة من طهران، وأن التأثير الإيراني في العراق لم يكن بالضرورة ظاهرًا في الشارع، وأن طهران كانت تمارس نفوذها عبر علاقاتها السياسية وشبكة من القوى المقربة منها.
وأكد الهنداوي أن المشهد السياسي العراقي يتسم بوجود صراعات وتحالفات متعددة تتشكل وفقًا للمصالح المشتركة، وأن إيران ليست الطرف الوحيد الذي يمتلك نفوذًا في العراق، إذ توجد قوى أخرى تسعى إلى تعزيز حضورها والتأثير في القرار السياسي.
وأشار الهنداوي إلى أن القول بأن القرار العراقي أصبح بالكامل في يد إيران يمثل مبالغة كبيرة، لكنه شدد في الوقت نفسه على وجود نفوذ إيراني واضح في القرار السياسي العراقي من خلال بعض القوى السياسية الموجودة في البلاد.
وقال الدبلوماسي العراقي إنه التقى شخصيات إيرانية خلال لقاءات الرئيس العراقي الأسبق فؤاد معصوم، كما رافقه في زيارات عدة إلى إيران، موضحًا أن المستشارين لم يكونوا على دراية بجميع تفاصيل اللقاءات الخاصة بين الرؤساء أو ما تتضمنه من اتفاقات.
وأكد الهنداوي أن دعم الثقافة والمثقفين كان من الملفات المهمة خلال فترة عمله مع "معصوم"، مشيرًا إلى الاهتمام بضرورة سن قوانين تخدم المثقفين وتلبي احتياجات القطاعات الثقافية المختلفة، ومشيرًا إلى أن الرئيس الأسبق لم تكن لديه موازنة مخصصة للثقافة.
انتخابات العراق 2021
وقال الدبلوماسي العراقي إنه تولى ملف الانتخابات خلال عمله مستشارًا لرئيس الوزراء العراقي الأسبق مصطفى الكاظمي عام 2020، مشيرًا إلى أن الانتخابات التي أُجريت في عام 2021 كانت من أفضل الانتخابات التي شهدها العراق، في تقديره، وشهدت مشاركة مراقبين دوليين واستخدام تقنيات تكنولوجية متطورة.
وأضاف أن الأمم المتحدة ساعدت في توفير نحو 700 مراقب دولي لمتابعة الانتخابات، موضحًا أن العملية الانتخابية اعتمدت على آليات تقنية متقدمة في إصدار البطاقات الانتخابية وإعداد أوراق الاقتراع.
وأكد الهنداوي أن نتائج الانتخابات لم تنعكس على تشكيل السلطة بالشكل الذي أفرزته صناديق الاقتراع، موضحًا أن التيار الصدري، الذي حصل على 74 مقعدًا، انسحب من العملية السياسية، ما أتاح للقوى التي وصفها بالخاسرة في الانتخابات تولي السلطة.
وأشار الهنداوي إلى تأييده حصر السلاح بيد الدولة العراقية، مؤكدًا أنه يدعم هذا المبدأ منذ فترة طويلة، وسبق أن كتب بشأنه، في إطار ضرورة تعزيز سلطة الدولة وقدرتها على إدارة شؤون البلاد.
حصر السلاح بيد الدولة
وقال المفكر العراقي إنه يتوقع حسم ملف السلاح خارج إطار الدولة العراقية بشكل أو بآخر، مشيرًا إلى أن المجتمع العراقي بأكمله يدعم حصر السلاح بيد الدولة الحقيقية، وليس الفصائل التي تتستر بمظاهر توحي بتبعيتها للمؤسسات الرسمية.
وأكد الهنداوي أن أطرافًا إقليمية متعددة تمتلك حضورًا وتأثيرًا في المشهد العراقي، وأن القوى الكردية، باعتبارها أحد مكونات المجتمع العراقي، تسعى إلى تحقيق أكبر قدر من المكاسب من خلال العملية الديمقراطية على المستويين الوطني والمحلي، لكنه أوضح أن السلطات المحلية في المناطق الكردية تواجه مشكلات وخروقات متعددة.
وقال الدكتور حسين الهنداوي إن تأثير رجال الدين في إدارة الدولة العراقية ليس مباشرًا، موضحًا أنه لا يوجد حاليًا رجل دين محدد يمتلك حزبًا سياسيًا بالمعنى الذي يتيح له السيطرة على القرار، مشيرًا إلى تعدد التيارات والتوجهات داخل الطائفة الشيعية العراقية.
وأكد الهنداوي أن تنظيمات داعش والقاعدة والجماعات الإرهابية لا تمثل السنة العراقيين، كما أن الفصائل المسلحة لا تمثل الشيعة العراقيين، مشددًا على أن المكون السني مجتمع واسع شارك في بناء العراق منذ تأسيسه، وانخرط في العملية الديمقراطية بصورة منتظمة.
وأشار الهنداوي إلى أن المكونات السنية والشيعية والكردية تمثل أطرافًا أساسية في المجتمع العراقي، مؤكدًا أن هذه المكونات لا تؤيد القوى المتطرفة ولا تنتمي إليها، وأنها من الأطراف التي تواجه تهديدات الإرهاب ومخاطره.
كما رفض الهنداوي استمرار نظام المحاصصة في توزيع الرئاسات الثلاث بالعراق على أساس الانتماءات الطائفية والقومية، معتبرًا أن هذا النظام يمثل إحدى المشكلات الكبرى التي تعرقل بناء الدولة، وقد يؤدي إلى تقسيم ضمني للبلاد.
وأضاف أن المحاصصة ترتبط بمشكلات الفساد، مشددًا على أن خلاص العراق يتطلب إنهاء المحاصصة، والتصدي للسلاح المنفلت والمال السياسي، بما يضمن قيام نظام سياسي طبيعي قائم على الديمقراطية.
وأكد الهنداوي أن النفوذ الأجنبي في العراق، رغم قوته في بعض المجالات، يسير نحو الانتهاء، معتبرًا أن هناك إرادة شعبية واسعة لدى مختلف مكونات المجتمع العراقي ترفض التدخلات الخارجية وتسعى إلى بناء دولة قوية ومستقلة في قرارها السياسي.
وأشار الهنداوي إلى أن العراقيين يتطلعون إلى إقامة دولة ديمقراطية حديثة يشارك فيها الجميع، بعيدًا عن نفوذ القوى الخارجية، مؤكدًا أهمية توحيد مختلف المكونات العراقية تحت مظلة دولة واحدة تضمن المشاركة السياسية والمواطنة لجميع أبنائها.
التقارب بين العراق وإسرائيل مستحيل
وأوضح الهنداوي أن العراق يرفض الاعتراف بدولة إسرائيل، ويتمسك بهذا الموقف في الاجتماعات الدولية والعربية، مشيرًا إلى أن أي تقارب مع إسرائيل، حتى لو كان ضمنيًا، مرفوض شعبيًا ومستحيل على المدى المنظور.
وأكد الهنداوي أن العراق يواجه تحديًا جغرافيًا وتاريخيًا بسبب موقعه في منطقة تتقاطع فيها المصالح والصراعات الدولية، موضحًا أن هذه الإشكالية تعود إلى فترات تاريخية سابقة، إذ انعكست الصراعات الدولية على العراق منذ الحرب العالمية الأولى، كما برزت محاولات للوصول إلى بغداد عبر مشروعات استراتيجية، من بينها مشروع قطار بغداد ـ برلين في القرن التاسع عشر.
وقال إن الشعب العراقي يتمسك بقوة بثوابته ومواقفه الرافضة لبعض التوجهات، مشيرًا إلى أن الحكومات العراقية المتعاقبة تحرص على عدم المساس بهذه المسلمات، مضيفًا أن الحكومات العراقية ليست حرة بالكامل في تحركاتها، وتتعامل بحذر مع القضايا التي تمثل ثوابت لدى الشعب، على الأقل في المدى المنظور.
وأكد الهنداوي أنه لا يمتلك معلومات دقيقة عن الشخصيات السياسية العراقية التي يُقال إنها محسوبة على التيار الإيراني، موضحًا أنه لا يعرف هذه الشخصيات ولا يتعامل معها بصورة مباشرة.
وشدد الهنداوي على أن الدول العربية تتعامل مع العراق باعتباره دولة مستقلة وبلدًا عربيًا كامل الأهلية والعضوية، مؤكدًا أنه لا يرى مشكلة جوهرية في علاقة العراق بمحيطه العربي، مضيفًا أن العراق بلد مستقل لا يخضع لأي تبعية لإيران أو لأي دولة أخرى، مشددًا على أن عروبة العراق واستقلال قراره الوطني ليسا محل شك.