الموقع الرسمي | القاهرة الاخبارية
‌

الشباب الغاضب في أوروبا المُسِنَة.. معركة الأجيال على فتات الموارد

  • مشاركة :
post-title
تظاهرات الشباب الفرنسي

القاهرة الإخبارية - سامح جريس

كشفت صحيفة "نيويورك تايمز " الأمريكية، عن صراع متصاعد بين الأجيال في أوروبا، تجلى في موجة احتجاجات شبابية تجتاح فرنسا وإسبانيا وبريطانيا وبلجيكا، مطالِبةً بتعليم أفضل وسكن ميسور وفرص عمل حقيقية، غير أن ما يبدو في ظاهره غضبًا من الحكومات، يكشف في عمقه عن حرب خفية بين الشباب والمسنين على ثروات قارة تعاني ركودًا اقتصاديًا مزمنًا وشيخوخةً ديموغرافية لا هوادة فيها.

جيل Z يُشعل أوروبا

رصدت الصحيفة صعود جيل Z بوصفه قوةً سياسية ضاربة على المستوى العالمي، فاحتجاجاتهم أسقطت حكومات في بنجلاديش ونيبال وبيرو ومدغشقر، وأجبرت وزير التعليم الهندي على الاستقالة في أكبر موجة احتجاجية تشهدها البلاد منذ سنوات، غير أن المعادلة في أوروبا مختلفة جذريًا، إذ يجد الشباب الأوروبي أنفسهم أقليةً ديموغرافية متراجعة في مجتمعات يهيمن عليها الأكبر سنًا بثقلهم الانتخابي الهائل، مما يُضعف قدرتهم على تحويل غضبهم إلى تغيير سياسي فعلي.

محتجو فرنسا

في فرنسا، التي وصفتها الصحيفة بأنها "أمة احتجاج دائم"، اندلعت مواجهات جديدة حين أغلق الطلاب مدارسهم احتجاجًا على تردي البنية التحتية التعليمية، وللوقوف على السياق الحقيقي لهذه الاحتجاجات، تعود الصحيفة إلى عام 2023، حين هب الفرنسيون دفاعًا عن معاشاتهم بعد أن رفع الرئيس إيمانويل ماكرون سن التقاعد من 62 إلى 64 عامًا، وكانت ضجة الرفض بالغةً لدرجة أن الحكومة جمدت القرار، لتبقى نفقات التقاعد نحو ربع الإنفاق العام في بلد يُصنَّف ضمن الأعلى مديونيةً في أوروبا.

والمفارقة التي يُسلط عليها الضوء، كما تُشير الصحيفة، أن محتجي الأمس ومحتجي اليوم خرجوا في ظاهر الأمر ضد الحكومة، إلا أن مصالحهم في حقيقتها متناقضة، فهم يتنازعون على قطعة اقتصادية واحدة لا تكبر في ظل نمو متعثر.

حين تُفضي الديموغرافيا إلى الركود

يمنح هذا الواقع أستاذ جامعة أكسفورد تيم فلانداس مصطلحًا دقيقًا لوصف الظاهرة، هو "الجيرونتونوميا"، أي ذلك الركود الاقتصادي الذي تُديمه آليات الديمقراطية ذاتها حين يصبح المسنون أغلبيةً ناخبة، إذ إن الشباب يحتاجون إلى استثمار في التعليم وسوق عمل نشط وسكن بأسعار معقولة، في حين يُفضل من تجاوزوا الخامسة والستين معاشاتٍ سخية ورعايةً اجتماعية وثباتًا في أسعار الأصول والعقارات، حتى لو كان ذلك على حساب ارتفاع البطالة.

ومع تنامي هذه الشريحة سياسيًا، باتت تحصل على ما تريد، تاركةً الشباب يواجهون بطالة تتخطى 20% في فرنسا ونموًا اقتصاديًا وصل إلى الصفر في الربع الثاني من العام الجاري.

الأزمة نفسها بأوجه مختلفة

لا تنفرد فرنسا بهذا المشهد، ففي إسبانيا التي تعد إحدى أعجز المجتمعات الأوروبية ديموغرافيًا، أشعلت أزمة السكن الشوارع وأسهمت في دفع رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى إعلان انتخابات مبكرة، وإن كان الوجه البارز للاحتجاجات مستأجرًا عمره 87 عامًا، فإن الشباب انضم إليه بكثافة كون الأزمة تطحنهم أكثر من غيرهم، إذ تجاوزت بطالتهم 22%، وارتفعت أسعار المنازل بوتيرة أسرع بكثير من الأجور، ما يجبر كثيرين منهم على البقاء في كنف الأهل حتى منتصف الثلاثينيات أو الإنفاق على إيجارات باهظة تُجهض أي مدخرات.

وفي بريطانيا، تتكرر الصورة بتفاصيل مغايرة، فمعدل بطالة الشباب أدنى نسبيًا عند 16%، لكن تكاليف السكن المرتفعة، ولا سيما في لندن ومحيطها حيث يتركز النمو الوظيفي، تُثقل كاهل الشباب.

وزاد على ذلك التزام البلاد بسياسة "القفل الثلاثي" التي كفلت لسنوات نمو المعاشات بمعدلات تفوق الأجور، قبل أن يتجرأ رئيس الوزراء آندي بيرنام على الإعلان عن مراجعتها، فيما وصفه أحد قادة النقابات بأنه "شبه جنون انتخابي"، رغم أن بيرنام أكد توجيه الوفورات نحو رعاية المسنين أنفسهم.

لماذا يتقدم المسنون دائمًا في معركة غير متكافئة؟

يُحلل كيفن أرسينو، أستاذ العلوم السياسية في معهد ساينس بو الباريسي، هذه المعادلة غير المتكافئة بأن الأحزاب السياسية والنقابات تدور في فلك مصالح أعضائها وناخبيها الأكثر ولاءً، أي المسنين.

يُضاف إلى ذلك بُعد نفسي واجتماعي لافت رصدته الباحثة لورا سيرا، من كلية لندن للاقتصاد، إذ يخشى كثير من أبناء الجيل العامل أن يضطروا لإعالة آبائهم إذا جُرِّدوا من معاشاتهم، بل إن الشباب الفرنسي أنفسهم نزلوا إلى الشوارع دفاعًا عن معاشات ذويهم في احتجاجات 2023.

كما أن إقناع الشباب بدعم مزايا قد يستفيدون منها يومًا ما أيسر بكثير من إقناع المسنين بتمويل تعليم لن يطالهم نفعه.

وفي المحصلة، خرج البرلمان الفرنسي من جلسة مناقشة ميزانية العام المقبل الأسبوع الماضي بقرار مُعبِّر، وهو الإبقاء على الإعفاءات الضريبية للمتقاعدين، في رسالة تلخص جوهر هذه المعركة لجيل ينتظر على رصيف المستقبل.