دفعت محادثة عابرة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وبحّار مجهول إلى إعادة فتح ملف تكنولوجيا إطلاق الطائرات من حاملات الطائرات، مع توجيه البحرية الأمريكية بدراسة العودة إلى المنجنيقات البخارية والمصاعد الهيدروليكية، رغم اعتمادها تقنيات أحدث في حاملات الطائرات من فئة "فورد".
بداية القصة
وتبحث البحرية الأمريكية عن بحّار يُدعى بيل جونز، بعدما أقنع ترامب بأن المنجنيقات البخارية القديمة أكثر موثوقية من الأنظمة الكهرومغناطيسية الحديثة، لكن لم يتمكن مسؤولو وزارة الحرب من العثور على الرجل، فيما يواصلون التعامل مع تداعيات اللقاء الذي دفع الرئيس إلى المطالبة بتغييرات واسعة في أحد أغلى برامج التسليح في التاريخ، بحسب صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية.
وبدأت القصة بعد أشهر قليلة من تولي ترامب ولايته الأولى، عندما زار حاملة الطائرات "يو إس إس جيرالد آر فورد" في ولاية فرجينيا، وتُعد السفينة الأكبر في العالم والأولى من نوعها، وبلغت تكلفة بنائها نحو 19 مليار دولار، لكنها واجهت مشكلات متعددة خلال ثماني سنوات من البناء، بسبب تركيب تقنيات متطورة لم تكن قد خضعت للاختبار الكافي.
وتأخر إنجاز الحاملة سنوات عن الجدول الزمني المحدد، كما تجاوزت ميزانيتها بمليارات الدولارات، وكان ترامب حريصًا على توظيف خبرته في مجال العقارات في التعامل مع مشتريات وزارة الحرب الأمريكية المعقدة والمكلفة، وقال إنه سئم سماع الأعذار من الأدميرالات ويريد التحدث إلى الأشخاص الذين يشغّلون المعدات.
وخلال خطاب ألقاه أبريل 2019، قال ترامب إنه طلب مقابلة الأشخاص الذين يستخدمون المنجنيقات، مضيفًا أنهم أخبروه بأنه لا يريد فعل ذلك حقًا، لكنه أصر على مقابلتهم لأنهم، بحسب قوله، يعرفون ما يفعلونه.
رواية البحار
قال ترامب إن أحد البحارة أخبره أن البحرية ترتكب خطأ فادحًا بالتخلي عن المنجنيقات البخارية، التي وصفها بأنها وسيلة مجربة وموثوقة لإطلاق الطائرات، ورأى البحّار، وفق رواية ترامب أن الانتقال إلى النظام الكهرومغناطيسي، المصمم لإطلاق الطائرات بسرعة وكفاءة أكبر، ينذر بفشل البحرية.
وبحسب ترامب، حذّر البحّار من أن إصلاح المنجنيقات الكهربائية عند تعطلها سيتطلب الاستعانة بعباقرة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، في حين يمكن إصلاح المنجنيقات البخارية باستخدام مطرقة وموقد لحام.
وعقب المواجهة، سارع مسؤولو البحرية إلى شرح أسباب اختيار التقنيات الجديدة لترامب، وتوضيح أن إزالتها ستترتب عليها عواقب كبيرة، وفقًا لمسؤولين دفاعيين سابقين، لكن اسم البحّار الغامض ظل حاضرًا في النقاش بشأن مستقبل حاملات الطائرات الأمريكية.
عودة الملف
عاد الموضوع إلى الواجهة مع سعي ترامب للفوز بولاية رئاسية ثانية، فقد ذكر اسم بيل جونز صراحة خلال تجمع انتخابي، يناير 2024، بمدينة ماسون في ولاية أيوا، ثم أشار إلى المنجنيقات الكهربائية فبراير 2025.
وانتشرت في أوساط العاملين بقطاع الصناعة شائعات عن استعداد ترامب لتوقيع أمر تنفيذي يطالب البحرية بالعودة إلى استخدام المنجنيقات البخارية، لكن لم يصدر قرار في هذا الشأن حتى الصيف التالي.
وفي أغسطس، وقّع ترامب مذكرة للأمن القومي وجّه فيها البحرية إلى تحديد تكلفة وجدول زمني لتركيب المنجنيقات البخارية والمصاعد الهيدروليكية على السفينة المعروفة حاليًا باسم "سي في إن 81"، والمتوقع انضمامها إلى الأسطول عام 2034.
وقال مسؤول في الإدارة الأمريكية إن البحرية لا تبني حاملات الطائرات من فئة "فورد" بالسرعة الكافية، وإن عليها تبسيط تصميمها بالاعتماد على تكنولوجيا اختُبرت عبر الزمن وفي المعارك، ولم تبنِ البحرية حاملة طائرات تعمل بالبخار منذ "يو إس إس جورج إتش دبليو بوش"، التي دخلت الأسطول عام 2009.
عقبات التنفيذ
قال هانتر ستيرز، الإستراتيجي البحري لوزير البحرية السابق كارلوس ديل تورو، إن المشكلة الأكبر تتمثل في توقف إنتاج المنجنيقات البخارية منذ عقود، مضيفًا أن أحدًا لم يعد يصنعها.
ومنذ صدور مذكرة ترامب، بدأ قادة البحرية تنقيح تصريحاتهم العلنية بشأن المقترح، وقال رئيس العمليات البحرية، الأدميرال داريل كودل، خلال مؤتمر في رينو، وفقًا لموقع "يو إس إن آي نيوز"، إن العودة إلى البخار والمصاعد الهيدروليكية تتطلب فهم التكلفة الإجمالية، واصفًا ذلك بأنه تغيير كبير في التصميم.
وأضاف كودل أن اختبار الإجهاد الذي أُجري في فبراير على المنجنيقات الكهرومغناطيسية في حاملة "فورد" أظهر تفوقها على نظيراتها التي تعمل بالبخار.
ويخشى خبراء بناء السفن أن تؤدي إعادة تشغيل حاملة طائرات تعمل بالبخار إلى اتساع الفجوة التكنولوجية بين البحرية الأمريكية ونظيرتها الصينية.
قرار ترامب
حذّر القائم بأعمال وزير البحرية هونج كاو المسؤولين من التشكيك في قرار ترامب، وكتب في مذكرة بتاريخ 28 أغسطس، تناولت مجموعة أوسع من التوصيات تشمل المنجنيقات البخارية، أن النقاش بشأن تنفيذ القرار انتهى، وأن مهمة البحرية باتت إعداد خطة للتنفيذ.
ومع توقع اكتمال السفينة بعد انتهاء ولاية ترامب، واحتمال سيطرة الديمقراطيين على مجلس واحد على الأقل من الكونجرس في انتخابات التجديد النصفي، تتضاءل فرص دخول حاملة جديدة مزودة بالمنجنيقات القديمة إلى الأسطول، ومع ذلك، تواصل البحرية العمل على المشروع.
ووصف برايان كلارك، الخبير البحري في معهد هدسون، وهو مركز أبحاث في واشنطن، حجم التأثير الذي أحدثه شخص واحد بأنه أمر لافت للغاية.
وقال متحدث باسم البحرية إنه لا يمكن تحديد هوية البحّار بدقة في السجلات دون تاريخ ميلاده أو معلومات تعريفية أخرى.