وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في مواجهة غير مسبوقة مع جناح من حزبه الجمهوري، بعد أن قرر رفع العقوبات عن واردات الديزل الروسي في خطوة وصفها المنتقدون بأنها "طوق نجاة لآلة بوتين الحربية"، بينما دافع عنها البيت الأبيض بوصفها ضرورة اقتصادية لكبح جموح أسعار الوقود المتصاعدة، وبحسب ما رصدته وسائل اعلام أمريكية، باتت الصفقة تُلقي بظلالها على المشهد السياسي الداخلي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.
تفاصيل الصفقة المُثيرة للجدل
أعلن ترامب في أعقاب اتصال هاتفي مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، أن موسكو ستضخ مئات الآلاف من الأطنان من الديزل في السوق الأمريكية والعالمية.
وسارعت وزارة الخزانة إلى ترجمة الإعلان على أرض الواقع بإصدار ترخيص عام يُجيز استيراد الديزل الروسي حتى أبريل 2027، وفق ما كشفته صحيفة بوليتيكو.
وجاء القرار في سياق ضغوط اقتصادية متصاعدة، إذ سجلت أسعار الديزل في سبتمبر الماضي مستوى قياسيًا بلغ 6.53 دولار للجالون بحسب بياناتAAA، في ظل حرب إيران التي باتت في شهرها السابع ويُرجَح أنها تُغذي ارتفاع تكاليف الطاقة.
وتزامن الإعلان مع تصريح ترامب بأن روسيا وأوكرانيا توصلتا إلى "هدنة طاقة"، غير أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي نفى ذلك جملةً وتفصيلًا، مؤكدًا أن روسيا لا تزال تستهدف البنية التحتية الأوكرانية للطاقة، في حين لم يُقدم البيت الأبيض أي دليل على هذا الاتفاق المزعوم بحسب موقع "بوليتيكو".
ائتلاف برلماني عابر للحزبين
سرعان ما اشتعل رد الفعل على الجانبين في الكونجرس، إذ أصدر سبعة أعضاء في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، أربعة جمهوريين وثلاثة ديمقراطيين، بيانًا مشتركًا حادًا يصف القرار بأنه "يتعارض مباشرةً" مع قانون فيدرالي أقره الكونجرس عام 2022 يحظر استيراد الطاقة الروسية، وذلك لمنع تمويل الحرب على أوكرانيا بالدولار الأمريكي، وفق ما أوردت واشنطن بوست.
وضمّ التكتل المعارض من الجمهوريين ،كلًا من سوزان كولينز وليزا موركاوسكي وثوم تيليس وجون كورتيس، إلى جانب الديمقراطيين جين شاهين وريتشارد بلومنتال ورون وايدن بحسب بوليتيكو.
وطالب البيان الإدارة بـ"التراجع الفوري"، مشيرًا إلى أنها لم تستشر الكونجرس ولم تُقدم أي مبرر قانوني لقرارها كما تستوجب الأنظمة.
وذهب السيناتور تيليس أبعد من ذلك حين صرح في برنامج “Meet the Press” على شبكة إن بي سي نيوز بأن للقرار "عواقب وخيمة قد تكون قاتلة"، واصفًا بوتين بأن له "سجلًا إجراميًا دمويًا" ولا يمكن الوثوق به، ومحذرًا من أنه "سينتهز أول فرصة لإحراج ترامب أو تقويضه".
وأضاف أن الشروط القانونية لرفع حظر الاستيراد تستلزم انسحابًا روسيًا كاملًا من الأراضي الأوكرانية المحتلة، مُشكِّكًا في أن الإدارة تسير في الاتجاه الصحيح.
أصوات الرفض تتصاعد
لم تقتصر المعارضة على مجلس الشيوخ، ففي مجلس النواب، وصف عضو الكونجرس الجمهوري دون بيكون عن نبراسكا الرئيسَ صراحةً بأنه "ضعيف أمام بوتين"، فيما أعلن زميله برايان فيتزباتريك عن بنسلفانيا نيته تقديم تشريع عابر للحزبين لحظر استيراد النفط الروسي كليًا، وفق واشنطن بوست.
وانضم إلى مجموعة المنتقدين نائب الرئيس الأسبق مايك بنس الذي وصف رفع العقوبات بأنه "طوق نجاة لآلة بوتين الحربية"، فيما لم يتردد زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر في وصف الصفقة بأنها "عقد مع الشيطان" يخدم مصالح ترامب السياسية المتعثرة، كذلك أبدى السيناتور الجمهوري جيري موران عن كنساس رفضه الصريح على منصة أكس ، مطالبًا بـ"تشديد العقوبات لا التراجع عنها".
ترامب يرد والحلفاء يُدافعون
في مواجهة موجة الانتقادات، لجأ ترامب إلى منصة Truth Social رادًّا على خصومه بأن الاتحاد الأوروبي دفع لروسيا نحو 250 مليار دولار مقابل الطاقة، وأنه اتخذ "القرار الصحيح للشعب الأمريكي".
ووجد ترامب بعض الدعم في صفوف حزبه، إذ رأى السيناتور جون باراسو، الرجل الثاني في القيادة الجمهورية بمجلس الشيوخ، في تصريحات لشبكة سي بي إس، أن ترامب "يوازن بين إنهاء حرب أوكرانيا وخفض فواتير الطاقة على الأسر الأمريكية"، فيما أشادت النائبة آنا بولينا لونا عن فلوريدا بالصفقة معتبرةً إياها ستعود "بفائدة هائلة على الأمريكيين" وفق واشنطن بوست.
غير أن الرياح السياسية لا تبدو في صالح البيت الأبيض، فمع تصدر الاقتصاد قائمة اهتمامات الناخبين وفق استطلاعات مركز Pew Research، وتراجع ثقتهم بقدرة ترامب على اتخاذ قرارات اقتصادية سليمة، يترقب المراقبون ما إذا كانت الضغوط التشريعية ستُرغم البيت الأبيض على التراجع عن صفقة باتت تُشعل الانقسام من قلب الحزب الجمهوري ذاته.