فرضت إدارة دونالد ترامب عقوبات مالية شاملة وغير مسبوقة على المحكمة الجنائية الدولية، في تصعيد جديد ضمن مسار ممنهج لتفكي المؤسسة القضائية الدولية، التي أنشأتها 125 دولة للنظر في قضايا الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، وجاء الإعلان في لحظة بالغة الدلالة، بعد ساعات قليلة من منح لجنة نوبل النرويجية جائزة السلام للقاضية السابقة في المحكمة نافي بيلاي، في مشهد كشف عمق الهوة بين الرؤية الأمريكية للمحكمة ونظرة المجتمع الدولي إليها.
مسار تصعيدي متصاعد
لم تأتِ هذه العقوبات من فراغ، وفقًا لصحيفة نيويورك تايمز، إذ تمتد جذورها إلى فبراير 2025، حين أصدر ترامب أمرًا تنفيذيًا في الأسابيع الأولى من ولايته يوجه الوكالات الحكومية بصياغة عقوبات ضد المحكمة، بحجة أنها تنتهك السيادة الأمريكية وتُقوض العمل الأمني والدبلوماسي للولايات المتحدة وحلفائها، بما فيهم إسرائيل.
وفي يوليو الماضي، أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو، نية واشنطن "تعطيل المحكمة بشكل منهجي"، وهو ما تجسد الجمعة في إعلانه حزمة عقوبات تحظر جميع المعاملات المالية مع المحكمة بعد مهلة ستة أشهر، مع تهديد أي شركات تواصل تعاملها معها بعقوبات فيدرالية.
وسبق أن فرضت الإدارة عقوبات مالية وحظر تأشيرات على 17 من مسؤولي المحكمة، من قضاة ومدعين عامين، لكن الخطوة الجمعة أوسع نطاقًا وأعمق أثرًا.
روبيو يُطلق العنان لهجوم شامل
لم يُخفِ روبيو حدة موقفه، إذ قال صراحة إن الرئيس ترامب لن يسمح أبدًا بملاحقة أي مواطن أمريكي أمام المحكمة، مؤكدًا أن واشنطن ستحرمها من مواردها وتشل قدرتها على العمل.
وذهب روبيو أبعد من ذلك في مقال نشره بصحيفة وول ستريت جورنال هذا الصيف، حين حذر من أن أي ملاحقة لمواطنين أمريكيين ستعني "موت الولايات المتحدة بوصفها دولة ذات سيادة مستقلة".
وتجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تنضما أصلًا إلى معاهدة روما المؤسِسة للمحكمة، وإن كان ذلك لا يُلغي احتمال توقيف مواطنين أمريكيين نظريًا في الدول الـ125 الموقعة على المعاهدة، وهو احتمال يصفه خبراء القانون الدولي بأنه ضعيف من الناحية العملية.
غزة ونتنياهو
تُشكل قضية إسرائيل الوقود الرئيسي لهذا التصعيد الأمريكي، ففي نوفمبر 2024، أصدرت المحكمة مذكرتَي اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه آنذاك يوآف جالانت، بتهم جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في عمليات غزة، التي راح ضحيتها آلاف المدنيين الفلسطينيين، في سياق الحرب المتواصلة منذ هجمات حركة حماس، أكتوبر 2023.
وتعامل ترامب مع هذه المذكرات باعتبارها خطًا أحمر، فيما جاء إعلان روبيو عن العقوبات عقب عودته من جولة أوروبية شملت آيسلندا واليونان والبرتغال، وهي دول أعضاء جميعها في المحكمة التي يستهدفها.
المحكمة ترد وأوروبا تتحرك دفاعًا عنها
وصفت المحكمة الجنائية الدولية العقوبات الأمريكية بأنها "ضربة لمبدأ أن لا أحد فوق القانون وللأسس التي يقوم عليها النظام القانوني الدولي".
في المقابل، أعلن الاتحاد الأوروبي أنه سيعمل عن كثب مع المحكمة لضمان استمرارها، واصفًا الخطوة بأنها "مثيرة للأسف الشديد"، مُنوهًا بأن مهلة الأشهر الستة تُتيح هامشًا للحوار.
كما أصدرت كل من كندا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا واليابان وهولندا والدنمارك وإيطاليا بيانًا مشتركًا دفاعًا عن المحكمة.
داخل المحكمة
تواجه المحكمة هذا التصعيد الخارجي وهي تعاني اضطرابًا داخليًا حادًا، إذ أُقيل كبير مدعيها كريم خان في وقت سابق من العام الجاري، إثر تحقيق في اتهامات بالتحرش الجنسي نفاها جميعًا، غير أن المحكمة تبدو مصممة على المقاومة، ففي تصريح لنيويورك تايمز أدلت به رئيسة المحكمة توموكو أكاني قبيل صدور العقوبات، قالت إن المحكمة تتخذ "تدابير لتعزيز صمودها" في مواجهة الضغوط الأمريكية، مؤكدةً: "مؤسسة دائمة كالمحكمة الجنائية الدولية لا يمكن أن تُغلق أبوابها — فالرهانات تتجاوزها بكثير". ويرى المراقبون أن ما تشهده اليوم يُعد تصعيدًا نوعيًا يتجاوز بمراحل موقف إدارة جورج دبليو بوش التي اكتفت برفض الانضمام للمحكمة، إذ تُعلن إدارة ترامب صراحةً أنها تسعى إلى تفكيكها "لبنةً لبنة، إذا اقتضى الأمر"، وفق ما قاله روبيو.